آراء

كيف غيّرت الضاحية الجنوبية قواعد اللعبة؟

بقلم: د. يوسف حسن

Advertisement

كلما حاولت تفسير الخطوة التي أقدم عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الأحد الماضي، والمتمثلة في الهجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت، بدا لي أن المنطق التقليدي يعجز عن تقديم تفسير مقنع. فحين تغيب الاستراتيجية، وتنعدم الرؤية للمستقبل، يصبح اتخاذ قرارات عالية المخاطر أمرًا ممكنًا، حتى وإن بدت نتائجها غير محسوبة.

يبدو أن نتنياهو أراد من خلال الهجوم تعطيل مسار المفاوضات والدفع نحو جولة جديدة من التصعيد، غير أن تقديراته -وفق هذه القراءة- لم تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات المشهد الأمريكي، والانشغالات الداخلية والخارجية التي تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي قد تدفع واشنطن إلى إعادة النظر في دعمها غير المشروط لبعض السياسات الإسرائيلية.

Advertisement

منذ سنوات، كان واضحًا أن ترامب يضع مصالحه السياسية والشخصية في مقدمة أولوياته. ومن هذا المنطلق، فإن تحركاته الأخيرة تعكس سعيه لتحقيق مكاسب تخدم أجندته الخاصة أكثر من التزامه بأي اعتبارات أيديولوجية أو تحالفات تقليدية.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن واشنطن كثّفت اتصالاتها مع طهران في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة. كما جرى الحديث عن تحركات دبلوماسية واتصالات غير مباشرة هدفت إلى تجنب ردود عسكرية قد تؤدي إلى تداعيات إقليمية خطيرة.

وفي المقابل، يبدو أن المخاوف من رد إيراني واسع النطاق كانت حاضرة بقوة لدى مختلف الأطراف، خاصة مع الحديث عن استعدادات عسكرية وقدرات صاروخية يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة على توازنات الردع القائمة في المنطقة.

وتكشف التطورات الأخيرة عن وجود خلافات حول بعض بنود المسودة النهائية للتفاهمات المطروحة، وهو ما استدعى تحركات دبلوماسية مكثفة، شملت وساطات إقليمية واتصالات متواصلة بين الأطراف المعنية سعياً للوصول إلى صيغة توافقية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يرى مراقبون أن أي تصعيد غير محسوب قد يهدد المسارات السياسية القائمة، ويعيد المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة، الأمر الذي يجعل ضبط الإيقاع السياسي والعسكري ضرورة ملحة لجميع الأطراف.

في المحصلة، تبدو أحداث الضاحية أكثر من مجرد حادثة أمنية عابرة؛ فهي تعكس تحولات أعمق في موازين القوى الإقليمية، وتؤكد أن معادلات الردع لم تعد كما كانت في السابق. وما تحقق حتى الآن قد يكون بداية لمرحلة جديدة، تتشكل فيها قواعد اشتباك مختلفة، وتُعاد خلالها صياغة التوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى