لبنان يعقّد مسار التفاهمات.. وطهران تلوّح بورقة هرمز للضغط على إسرائيل

بقلم: د. يوسف حسن
في مشهد إقليمي بالغ التعقيد، يبدو أن مسار التهدئة بين واشنطن وطهران يواجه اختباراً مبكراً وصعباً، بعدما تحوّل الملف اللبناني إلى نقطة ارتكاز أساسية في حسابات الأطراف المعنية. فما يجري اليوم لا يقتصر على خروقات متبادلة أو تباينات في التفسير، بل يعكس صراعاً مفتوحاً حول شروط التنفيذ وحدود الالتزام، في وقت تتحرك فيه المنطقة على إيقاع حساس بين احتمالات التهدئة ومخاطر التصعيد.
نتنياهو ومساحة المناورة
منذ اللحظة الأولى للتفاهمات الأميركية الإيرانية، لم يكن متوقعاً أن يلتزم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتطبيقها بصورة كاملة أو فورية. فقد سعى إلى الاحتفاظ بهامش واسع من الحركة في الساحة اللبنانية، بما يسمح له بمواصلة الضغط العسكري والسياسي وفرض وقائع ميدانية جديدة، مع تجنب الظهور بموقع الطرف الذي رضخ لشروط خصومه أو تنازل تحت وطأة الضغوط.
وفي هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية قائمة على كسب الوقت وإدارة الصراع وفق معادلة الاستنزاف، مع إبقاء الخيارات مفتوحة أمام أي تطورات ميدانية أو سياسية محتملة.
طهران: التنفيذ أولاً ثم التفاوض
في المقابل، تتعامل طهران مع المشهد بحسابات دقيقة، مؤكدة أن أي تقدم في المفاوضات المرتبطة بالملف النووي لن يكون ممكناً قبل التحقق من تنفيذ الالتزامات المتفق عليها على الأرض. ويأتي في مقدمة هذه الالتزامات وقف العمليات العسكرية في لبنان وإنهاء التصعيد القائم.
ومن منظور إيراني، فإن الانتقال إلى مناقشة الملفات النووية الحساسة قبل معالجة القضايا الميدانية سيعني عملياً تقديم تنازلات مجانية، وهو ما تسعى طهران إلى تجنبه في هذه المرحلة.
أوراق الضغط تتقدم إلى الواجهة
التطور الأبرز يتمثل في انتقال إيران إلى مرحلة أكثر وضوحاً في استخدام أدوات الضغط. فإلى جانب تأجيل جولات التفاوض، برز الحديث مجدداً عن مضيق هرمز باعتباره إحدى أهم الأوراق الاستراتيجية التي تمتلكها طهران في مواجهة الضغوط المتزايدة.
ولا يُنظر إلى هذا الطرح بوصفه مجرد تهديد إعلامي، بل كجزء من منظومة ردع متكاملة تهدف إلى رفع كلفة أي تصعيد إقليمي محتمل، وإيصال رسالة مفادها أن استمرار الضغوط أو توسيع دائرة المواجهة قد ينعكس على مصالح دولية تتجاوز حدود الصراع المباشر.
سباق مع الزمن
في جوهر الأزمة، لا تدور المواجهة حول الإرادة السياسية فحسب، بل حول عامل الزمن أيضاً. فوقف الحرب والانسحاب من لبنان يمثلان بالنسبة إلى طهران وحلفائها خطوة أساسية لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، بينما تنظر إسرائيل إلى هذه المطالب باعتبارها تنازلاً استراتيجياً يصعب تقديمه دون مقابل.
وهنا يبرز الدور الأميركي باعتباره العامل الأكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة. فإذا كانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب متمسكة فعلاً بإنجاح المسار التفاوضي، فإنها ستكون مطالبة بممارسة ضغوط فعلية على إسرائيل لضبط إيقاع التصعيد. أما إذا بقيت المواقف في إطار الرسائل السياسية فقط، فإن احتمالات التوتر ستظل قائمة، وربما تتجه نحو مستويات أكثر خطورة.
في المحصلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة مفصلية تتجاوز حدود الملفات التقليدية. فلبنان لم يعد مجرد ساحة جانبية في الصراع، بل تحول إلى عنصر مؤثر في مستقبل التفاهمات الإقليمية والدولية. وبين ضغوط التفاوض وأوراق الردع وموازين القوى المتغيرة، تبقى الساعات والأيام المقبلة كفيلة بتحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية جديدة أم نحو جولة أخرى من التصعيد.



