آراء

اجتماع تشولبون آتا.. هل تؤسس آسيا الوسطى وأذربيجان لمرحلة جديدة من التعاون الإقليمي؟

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي

Advertisement

في الحادي والثلاثين من يوليو/تموز 2026، اجتمع قادة ست دول حول طاولة واحدة في مدينة تشولبون آتا الهادئة المطلة على بحيرة إيسك-كول في قيرغيزستان. لم يكن المشهد مجرد لقاء بروتوكولي، بل بدا لحظة سياسية فارقة يختبر فيها الإقليم قدرته على الانتقال من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة الشراكة الفعلية وصياغة رؤية مشتركة للمستقبل.

منذ انطلاق الاجتماعات التشاورية لقادة آسيا الوسطى عام 2018، اختارت دول المنطقة إطاراً مرناً بعيداً عن المؤسسات فوق الوطنية والهياكل البيروقراطية المعقدة، واضعة نصب أعينها هدفاً أساسياً يتمثل في استعادة الحوار بعد سنوات من العلاقات الثنائية المتقطعة.

Advertisement

غير أن نقطة التحول الحقيقية جاءت خلال قمة طشقند عام 2025، عندما تقرر انضمام أذربيجان كمشارك كامل في هذه الآلية. وبهذا القرار لم يعد التعاون محصوراً في جغرافية آسيا الوسطى، بل امتد عبر بحر قزوين ليشمل جنوب القوقاز، فاتحاً آفاقاً جديدة للتكامل الاقتصادي والاستراتيجي.

وجاء اجتماع تشولبون آتا ليختبر قدرة هذه الرؤية على التحول إلى برامج عملية. ورغم اختلاف أولويات القادة، فإن رسائلهم التقت عند هدف واحد: الانتقال من مرحلة البيانات السياسية إلى مرحلة التنفيذ.

فقد طرح الرئيس القيرغيزي صادر جباروف مبادرة التأشيرة السياحية الموحدة، مستحضراً الإرث الحضاري لطريق الحرير، ومؤكداً أهمية مشاريع الربط الإقليمي، وفي مقدمتها خط السكك الحديدية بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان، إلى جانب مشروع كامبار آتا للطاقة.

من جانبه، أعلن الرئيس التركماني سردار بردي محمدوف استضافة مدينة أفازا للقمة المقبلة في أكتوبر، معتبراً أن الآلية السداسية تمثل جسراً لتعزيز التقارب بين شعوب المنطقة.

أما الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، فأكد التزام بلاده بأداء دور فاعل داخل المنظومة الجديدة، مشدداً على أن أذربيجان ستكون شريكاً مؤثراً في مسيرة التعاون الإقليمي.

اجتماع

وفي السياق ذاته، دعا الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف إلى إعداد خطة تنفيذية واضحة لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار بعد اكتمال انضمام جميع دول المنطقة إليها، معتبراً أن آسيا الوسطى تعيش أكثر مراحلها نجاحاً وتماسكاً في تاريخها الحديث.

في المقابل، ركز الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمان على تداعيات الاضطرابات الدولية، مقترحاً إنشاء مصفاة نفط إقليمية، بينما قدم الرئيس الأوزبكي شوكت ميرزيوييف رؤية أوسع تقوم على ربط آسيا الوسطى بجنوب القوقاز وأفغانستان عبر شبكات النقل والتجارة والرقمنة.

ورغم تنوع هذه الطروحات، فإنها تكشف عن قناعة متزايدة لدى قادة المنطقة بأن العمل المنفرد لم يعد قادراً على مواجهة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة.

وتعزز المؤشرات الاقتصادية هذه القناعة. فقد ارتفع حجم تجارة كازاخستان مع دول آسيا الوسطى بنسبة 28.9% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 ليصل إلى 4.2 مليار دولار، منها 3.2 مليار دولار صادرات، توزعت بين أوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان، فيما تجاوز حجم التجارة مع أذربيجان 150 مليون دولار. كما أصبحت دول المنطقة تستوعب نحو 40% من صادرات كازاخستان من السلع النهائية، وهو ما يعكس انتقال الثقة السياسية تدريجياً إلى تعاون اقتصادي ملموس.

إلا أن هذا المسار لا يخلو من تحديات حقيقية. فالآلية التشاورية تجاوزت مرحلة ترميم العلاقات، لكنها تدخل اليوم مرحلة تتطلب مؤسسات أكثر فاعلية. فالميزة التي مثلها غياب البيروقراطية فوق الوطنية قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا بقيت القرارات بلا آليات متابعة واضحة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطة تنفيذية محددة لمعاهدة الصداقة، تتضمن جداول زمنية، وجهات مسؤولة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يضمن تحويل الالتزامات السياسية إلى نتائج عملية.

ويزداد هذا التحدي تعقيداً في ظل التوازنات الدولية المحيطة بالإقليم. فروسيا قد تنظر إلى تنامي التعاون الإقليمي بوصفه تقليصاً لنفوذها التقليدي، ولا سيما مع توسع الممر الأوسط الذي يتجاوز الأراضي الروسية. أما الصين، صاحبة الحضور الاقتصادي الأكبر عبر مبادرة الحزام والطريق، فمن المرجح أن تراقب بحذر أي تنسيق يمنح دول المنطقة قدرة تفاوضية أكبر بشأن الاستثمارات والممرات التجارية.

وفي المقابل، قد ترى الولايات المتحدة والدول الغربية في هذا التكتل فرصة لتعزيز الممرات البديلة بعيداً عن النفذين الروسي والصيني، مع استمرار اهتمامها بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتكمن مهارة دول المنطقة في قدرتها على إدارة هذه التوازنات، بحيث يصبح التنسيق الإقليمي مصدر قوة تفاوضية جماعية، لا محوراً موجهاً ضد أي طرف دولي.

وبموازاة ذلك، يبرز دور متنامٍ لدول مجلس التعاون الخليجي، التي لم تعد تنظر إلى آسيا الوسطى وجنوب القوقاز باعتبارهما فضاءً جغرافياً بعيداً، بل كشريك استراتيجي للاستثمار وتنويع سلاسل التوريد والتعاون في مجالات الطاقة النظيفة والبنية الأساسية. ومع تنامي الحوار الاستراتيجي بين مجلس التعاون وآسيا الوسطى، تبرز الصناديق السيادية الخليجية كمصدر مهم لتمويل مشاريع الربط الإقليمي، بما يتيح للدول الست تنويع خياراتها الاقتصادية وتقليل الاعتماد على القوى الكبرى.

أما على المستوى المؤسسي، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التنسيق السياسي إلى البناء التنظيمي، دون الحاجة إلى إنشاء مؤسسات ثقيلة على غرار الاتحاد الأوروبي. ويمكن تحقيق ذلك عبر أمانة عامة صغيرة ودائمة تتولى متابعة تنفيذ القرارات، إلى جانب مجالس وزارية متخصصة في النقل والطاقة والتجارة والسياحة، مدعومة بفرق عمل فنية تجتمع بصورة منتظمة وتعمل وفق أهداف زمنية واضحة.

ولا تقتصر التحديات على الجوانب التنظيمية، إذ ما تزال المنطقة تواجه تفاوتاً في القدرات الاقتصادية، وحساسيات مرتبطة بملفات المياه والطاقة، فضلاً عن صعوبة تحويل بعض المبادرات المشتركة إلى مشاريع عابرة للحدود. لذلك فإن نجاح الاجتماعات التشاورية لن يقاس بعدد القمم المنعقدة، بل بقدرتها على دفع المؤسسات التنفيذية للعمل المشترك وتحويل الرؤى السياسية إلى إنجازات ملموسة.

وفي المحصلة، تقف آسيا الوسطى اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن تتحول هذه الآلية إلى منصة حقيقية لتعزيز التكامل الاقتصادي وبناء مرونة جماعية في مواجهة الأزمات، أو تبقى إطاراً تشاورياً محدود الأثر يعقد اجتماعاً سنوياً دون نتائج ملموسة.

وتبعث المؤشرات الاقتصادية والخطاب السياسي بدرجة من التفاؤل، غير أن التجارب الدولية تؤكد أن الثقة، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لبناء التكتلات الإقليمية، بل إن التنفيذ المؤسسي هو المعيار الحقيقي للنجاح.

لقد كان اجتماع تشولبون آتا أكثر من مجرد قمة دورية؛ فقد مثّل اختباراً لقدرة الإقليم على تحويل الرؤى إلى سياسات، والإعلانات إلى مشروعات، والتوافق السياسي إلى واقع اقتصادي واستراتيجي. وإذا نجحت الدول الست في تنفيذ ما اتفقت عليه، فقد تدخل آسيا الوسطى بالفعل مرحلة غير مسبوقة من التماسك والتكامل. أما إذا بقيت القرارات حبيسة البيانات الختامية، فستضاف هذه القمة إلى قائمة طويلة من الفرص التي ضاعت قبل أن تتحول إلى إنجازات.

فالطريق أصبح واضحاً، لكن الخطوة التالية لم تعد خياراً، بل ضرورة تفرضها متغيرات الإقليم والعالم.

كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى