صلالة… بوابة بحر العرب إلى المستقبل

بقلم: معمر اليافعي
هناك مدن تكتفي بأن تكون مكانًا للعيش، وهناك مدن تتحول إلى أفكار تصنع المستقبل.
وصلالة ليست مجرد مدينة تقع في أقصى جنوب عُمان، وليست مجرد وجهة سياحية يزورها الناس في موسم الخريف ثم يغادرونها مع انقضاء الأمطار. فهذه المدينة، في حقيقتها، مشروع اقتصادي كبير ما زال يبحث عمّن يقرأه بالعمق الذي يستحقه.
كلما تأملت موقعها على الخريطة، بدا لي الأمر وكأن الجغرافيا نفسها كانت تهمس بفكرة لم تكتمل بعد.
إلى الشمال تمتد أسواق الخليج بما تملكه من قوة شرائية واستثمارات ضخمة، وإلى الغرب اليمن بما يحمله من فرص لإعادة الإعمار والتبادل التجاري، بينما تنفتح جنوبًا وغربًا على أسواق شرق أفريقيا بملايين المستهلكين الباحثين عن الغذاء والدواء والمنتجات الاستهلاكية ومواد البناء. وبين هذه المساحات كلها تقف صلالة على شاطئ بحر العرب، وكأنها نقطة التقاء طبيعية بين عدة عوالم اقتصادية.
ليست كل المدن محظوظة بهذا الموقع.
لكن الموقع وحده لا يصنع المعجزات.
ما يصنع الفارق هو الرؤية.
لقد امتلكت مدن كثيرة حول العالم موارد أقل مما نملك، لكنها امتلكت فكرة واضحة حول ما تريد أن تكونه. فبعض المدن قررت أن تصبح مراكز مالية، وأخرى اختارت الصناعة، وثالثة راهنت على الخدمات اللوجستية. أما صلالة، فما زالت حتى اليوم تُعرَّف غالبًا من خلال موسمها السياحي، رغم أنها تمتلك من المقومات ما يؤهلها للعب دور أكبر بكثير.
ففيها ميناء عالمي يُعد من أهم موانئ المنطقة، ومنطقة حرة قادرة على جذب الاستثمارات، واستقرار سياسي وأمني يجعلها بيئة مناسبة للأعمال، فضلًا عن قربها من خطوط الملاحة الدولية التي تعبر بحر العرب يوميًا. كما تمتلك مساحات واسعة تسمح بالتوسع الصناعي واللوجستي لعقود قادمة.
هذه ليست أحلامًا.
بل حقائق قائمة على أرض الواقع.
والسؤال الحقيقي ليس: ماذا ينقص صلالة؟
بل: كيف نحول هذه المقومات إلى مشروع اقتصادي متكامل؟
كيف نجعل من صلالة مركزًا للتخزين وإعادة التصدير؟
كيف نجعلها نقطة انطلاق للمنتجات العُمانية والخليجية نحو اليمن وشرق أفريقيا؟
كيف نجذب المصانع التي تبحث عن موقع استراتيجي قريب من الأسواق؟
وكيف نبني منظومة متكاملة تربط الميناء والمنطقة الحرة والمصانع وشركات الشحن والموزعين ضمن رؤية واحدة؟
حينها فقط تبدأ الجغرافيا بالعمل لصالح الاقتصاد.
إن مستقبل المدن لم يعد يُقاس بعدد سكانها فحسب، بل بقدرتها على أن تصبح عقدة مؤثرة في شبكة التجارة العالمية. وفي هذا الجانب، تملك صلالة فرصة لا تتكرر كثيرًا.
وربما لا تحتاج صلالة إلى اختراع مقومات جديدة، فالمقومات موجودة بالفعل.
وربما لا تحتاج إلى معجزة اقتصادية.
كل ما تحتاجه هو أن نراها بطريقة مختلفة.
أن ننتقل من التفكير في صلالة كمدينة موسمية إلى التفكير فيها كمنصة اقتصادية دائمة.
فالموانئ لا تنام مع انتهاء الخريف.
والتجارة لا تتوقف مع انقشاع الضباب.
والفرص الكبرى لا تنتظر طويلًا.
ولهذا أؤمن أن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: ماذا كانت صلالة؟
بل: ماذا يمكن أن تصبح؟
لأن المستقبل لا يُصنع بما نملكه فقط، بل بما نؤمن أنه ممكن.
وربما يكون أعظم ما في صلالة أنها ما زالت تحمل في داخلها إمكانات أكبر من الصورة التي رسمناها لها حتى الآن.
وربما يأتي يوم تُعرف فيه صلالة، ليس فقط بوصفها عاصمة الخريف، بل باعتبارها بوابة بحر العرب إلى المستقبل.
معمر حسين اليافعي (ابن الحصن)
كاتب وباحث عُماني مهتم بالفكر والهوية والفلسفة المعاصرة.
رئيس تحرير سابق لمجلة “بيادر”.
يمتلك تجربة طويلة في الإعلام والثقافة والتجارة.
وهو مؤسس مشروع “ثروان”، وهي رؤية ثقافية وتجارية تهدف إلى إحياء التراث الخليجي بروح عصرية، وربط الماضي بالحاضر، واستثمار الهوية كقوة ناعمة في صناعة المستقبل.



