آراء

الاقتصاد الإبداعي… حين تتحوّل الهوية إلى ثروة

بقلم : معمر اليافعي

Advertisement

في زمنٍ تتسابق فيه الدول نحو بناء اقتصادات أكثر تنوعًا واستدامة، لم يعد النفط وحده معيار القوة، ولا التجارة وحدها مقياس الحضور. لقد بدأ العالم يكتشف أن أعظم الثروات ليست دائمًا مدفونة تحت الأرض، بل قد تكون مختبئة في الذاكرة، وفي الفنون، والحكايات، وملامح الهوية التي تحملها الشعوب منذ قرون.

هنا يظهر ما يُعرف بـ “الاقتصاد الإبداعي”، ذلك الاقتصاد الذي لا يعتمد فقط على المصانع والموارد التقليدية، بل يقوم على تحويل الإبداع الإنساني إلى قيمة اقتصادية حقيقية. إنه الاقتصاد الذي يجعل من الفن صناعة، ومن الثقافة مشروعًا، ومن التراث علامة قادرة على المنافسة عالميًا.

Advertisement

الاقتصاد الإبداعي ليس ترفًا ثقافيًا كما يظن البعض، بل أصبح أحد أسرع القطاعات نموًا في العالم. فالدول التي أدركت قيمة هويتها الثقافية استطاعت أن تحوّل الموسيقى، والأزياء، والحرف اليدوية، والسينما، والتصميم، وحتى المطبخ الشعبي، إلى قوة اقتصادية ناعمة تدرّ مليارات الدولارات سنويًا.

وحين ننظر إلى سلطنة عُمان، ندرك أننا أمام كنزٍ لم يُكتشف بالكامل بعد. فعُمان لا تملك مجرد تاريخ، بل تمتلك روحًا حضارية عميقة قادرة على أن تتحول إلى اقتصاد متكامل إذا أُعيد تقديمها بلغة العصر.

من اللبان العُماني الذي يحمل بعدًا روحيًا وتاريخيًا، إلى الفنون الشعبية، والحرف اليدوية، والأزياء التقليدية، والموسيقى، والعمارة، والأسواق القديمة، وحتى تفاصيل المكان العُماني… كل ذلك ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل موارد اقتصادية قابلة للاستثمار والإحياء.

المشكلة ليست في غياب المقومات، بل في طريقة النظر إليها. فما تزال كثير من المجتمعات العربية ترى التراث مناسبة للاحتفال الموسمي أو العرض السياحي المؤقت، بينما تنظر إليه الدول المتقدمة بوصفه صناعة متكاملة وهوية قابلة للتصدير.

فالاقتصاد الإبداعي لا يسأل فقط: ماذا نبيع؟

بل يسأل: ما القصة التي نحملها للعالم؟

وحين تمتلك القصة، يصبح المنتج مختلفًا حتى لو كان بسيطًا. فقطعة فنية صغيرة تحمل هوية حقيقية قد تكون أكثر تأثيرًا من منتجات صناعية ضخمة بلا روح. ولهذا أصبحت العلامات التجارية العالمية تبني نجاحها على “المعنى” أكثر من المادة.

تمتلك عُمان فرصة استثنائية لتكون نموذجًا خليجيًا وعربيًا في هذا المجال، خصوصًا مع التوجه نحو تنويع مصادر الدخل، ورؤية المستقبل التي تبحث عن قطاعات جديدة قادرة على خلق فرص عمل للشباب وتحفيز الابتكار.

إن الاستثمار في الاقتصاد الإبداعي يعني دعم الفنان، والحرفي، والمصمم، والكاتب، وصانع المحتوى، والمبدع المحلي، وتحويلهم من أفراد يعملون بشكل مستقل إلى جزء من منظومة اقتصادية متكاملة.

كما يعني إنشاء أسواق ثقافية حديثة، ومراكز للفنون، وحاضنات للمشاريع الإبداعية، وربط التراث بالتكنولوجيا، وإعادة تقديم الهوية العُمانية بطريقة يفهمها العالم المعاصر.

العالم اليوم لا يبحث فقط عن المنتجات، بل يبحث عن التجارب والمعاني. والشعوب التي تعرف كيف تحكي قصتها بذكاء، تستطيع أن تحجز لنفسها مكانًا في الاقتصاد العالمي دون أن تتخلى عن روحها.

ربما آن الأوان أن ندرك أن التنمية ليست بناء طرق ومبانٍ فقط، بل بناء صورة حضارية قادرة على العيش اقتصاديًا في المستقبل. وأن الهوية ليست عبئًا من الماضي، بل قد تكون أعظم استثمار للمستقبل.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للاقتصاد الإبداعي…

حين تتحوّل الثقافة من ذاكرة محفوظة إلى قوة تصنع الثروة، ويصبح الإبداع أحد أهم موارد الوطن.

“الاستثمار في الأصالة والتراث لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل أصبح محركًا أساسيًا لتنويع مصادر الدخل وبناء صورة حضارية قادرة على المنافسة عالميًا.”

معمر حسين اليافعي (ابن الحصن)

كاتب وباحث عُماني مهتم بالفكر والهوية والفلسفة المعاصرة.

رئيس تحرير سابق لمجلة “بيادر”.

يمتلك تجربة طويلة في الإعلام والثقافة والتجارة.

وهو مؤسس مشروع “ثروان”، وهي رؤية ثقافية وتجارية تهدف إلى إحياء التراث الخليجي بروح عصرية، وربط الماضي بالحاضر، واستثمار الهوية كقوة ناعمة في صناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى