آراء

هل تنجح طاجيكستان في التحول من اقتصاد المواد الخام إلى قوة صناعية؟

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي

Advertisement

تمضي طاجيكستان نحو مرحلة جديدة من مسيرتها الاقتصادية، في محاولة جادة لإعادة رسم ملامح نموذجها التنموي والانتقال من الاعتماد على تصدير المواد الخام إلى بناء قاعدة صناعية قادرة على إنتاج سلع ذات قيمة مضافة. ويبدو أن القيادة السياسية في البلاد تنظر إلى هذا التحول باعتباره خياراً استراتيجياً لا يحتمل التأجيل.

وخلال اجتماع عقد مؤخراً في منطقة سغد، أطلق الرئيس إمام علي رحمون رسالة حاسمة مفادها أن مرحلة تصدير المعادن الخام ينبغي أن تنتهي، مؤكداً ضرورة معالجة الموارد المعدنية داخل البلاد وتحويلها إلى منتجات صناعية قبل تصديرها إلى الأسواق الخارجية. ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في كسر النمط الاقتصادي التقليدي الذي ظل يعتمد لعقود على تصدير الخامات.

Advertisement

وفي إطار ترجمة هذه الرؤية إلى خطوات عملية، أوضحت وزارة الطاقة والموارد المائية أن الرئيس وجّه الجهات الحكومية والإدارات المحلية إلى الإسراع في تحسين بيئة الاستثمار الصناعي، وتطوير البنية الأساسية، وتوفير الأراضي اللازمة للمشروعات الجديدة، إلى جانب تقديم الدعم للمبادرات الخاصة التي تستهدف التصدير وتعزيز الإنتاج الصناعي.

كما شدد الرئيس رحمون على أن قطاع التعدين يمثل إحدى الركائز الوطنية للاقتصاد، داعياً المستثمرين ورجال الأعمال إلى التوسع في الصناعات التحويلية وزيادة إنتاج السلع الصناعية القادرة على المنافسة في الأسواق العالمية. ومن هذا المنطلق، باتت الاستثمارات الخاصة تحتل موقعاً محورياً في السياسة الصناعية، ولا سيما في قطاعات التعدين ومواد البناء والطاقة والصناعات الكيماوية وتصنيع الأغذية.

ويرتكز التحول الاقتصادي المنشود على بناء سلاسل إنتاج متكاملة تبدأ باستخراج المعادن وتنتهي بإنتاج منتجات صناعية عالية القيمة، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام. ولتحقيق هذا الهدف، وجّه الرئيس بإعداد برنامج وطني لتطوير صناعة المعادن الحديدية يمتد حتى عام 2035، بما يضمن إنشاء منظومة صناعية متكاملة تعزز القدرة الإنتاجية للبلاد.

وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن القطاع الصناعي بدأ يحقق نتائج إيجابية. فبحسب وزير الصناعة شيرعلي كبير، بلغ حجم الإنتاج الصناعي خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 33.8 مليار سوموني، مسجلاً نمواً بنسبة 14.1% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

كما أصبحت طاجيكستان من بين الاقتصادات الصناعية الأسرع نمواً في دول رابطة الدول المستقلة، فيما حافظت منطقة سغد على مكانتها بوصفها المحرك الرئيسي للنشاط الصناعي، بعدما ساهمت بأكثر من 60% من إجمالي الإنتاج الصناعي. وخلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، شهدت البلاد افتتاح 191 مؤسسة صناعية جديدة، وفرت أكثر من 1160 فرصة عمل، واستقطبت استثمارات بلغت نحو 4.9 مليار سوموني.

وامتد أثر هذا النشاط إلى التجارة الخارجية، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري مع 127 دولة إلى نحو 6.8 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 43.8% مقارنة بالعام السابق. كما قفزت الصادرات إلى 1.6 مليار دولار، بنمو قدره 65.3%، وشكلت المنتجات الصناعية نحو 97.4% من إجمالي الصادرات، فيما تصدرت سويسرا والصين وتركيا وأوزبكستان وبلجيكا قائمة أبرز الأسواق المستوردة. وأسهمت المعادن الثمينة والأحجار الكريمة بقيمة 517 مليون دولار، بينما بلغت صادرات الخامات والمركزات نحو 451.7 مليون دولار.

ولا يقتصر التحول الصناعي على تطوير الإنتاج فحسب، بل يعتمد أيضاً على تحديث البنية التحتية. ولهذا تنفذ الحكومة حالياً 11 مشروعاً استراتيجياً في قطاعي النقل والطرق، تتجاوز قيمتها الإجمالية 1.193 مليار دولار، بالتوازي مع مواصلة العمل في المجمع المعدني الوطني، الذي يُخطط لإضافة سبع مؤسسات صناعية جديدة إليه بحلول عام 2029.

ويرى الرئيس الطاجيكي أن تعزيز الصناعات التعدينية المحلية يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي الصناعي، بما يمنح البلاد قدرة أكبر على تنفيذ مشروعاتها الوطنية وتقليل تأثير الأزمات العالمية والعقوبات الخارجية على اقتصادها.

وتحمل هذه الاستراتيجية العديد من المكاسب المحتملة، أبرزها رفع القيمة المضافة للموارد الطبيعية، وتوفير فرص عمل مستدامة، وتقليص الاعتماد على الواردات، وتعزيز الصادرات، فضلاً عن توسيع آفاق التعاون الاقتصادي مع الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الصين.

ومع ذلك، لا تزال أمام هذا المشروع تحديات حقيقية، من بينها محدودية مصادر التمويل المحلية، ونقص الكفاءات الفنية المؤهلة، وصعوبة جذب الاستثمارات الغربية في ظل البيئة الجيوسياسية الراهنة، إضافة إلى التحديات المرتبطة بإمدادات الكهرباء، التي قد تؤثر في توسع الصناعات الثقيلة. كما أن الاعتماد المتزايد على التمويل والاستثمار الصيني يطرح فرصاً مهمة، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات تتعلق بتنويع الشراكات الاقتصادية.

في المحصلة، تقف طاجيكستان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل اقتصادها على أسس أكثر تنوعاً واستدامة. فالمؤشرات الحالية، التي تعكس نمواً صناعياً بنسبة 14.1%، وصادرات بلغت 1.6 مليار دولار، وتجارة خارجية وصلت إلى 6.8 مليار دولار، تمنح قدراً من التفاؤل، وإن كان مشوباً بالحذر. ويبقى نجاح برنامج تطوير الصناعات الحديدية حتى عام 2035 مرهوناً بقدرة الحكومة على تنفيذ خططها بكفاءة، وتحويل الطموحات إلى إنجازات ملموسة تجعل من طاجيكستان لاعباً صناعياً مؤثراً في آسيا الوسطى.

عبدالحميد حميد الكبي

كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى