آراء

كازاخستان والذكاء الاصطناعي.. كيف تتحول الرقمنة إلى منظومة وطنية متكاملة؟

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي

Advertisement

أحيانًا أتوقف أمام خريطة آسيا الوسطى، وأتخيل كيف يمكن أن تبدو المدن والمناطق حين تصبح قادرة على «الشعور» بما يحدث داخلها؛ ليس بالمعنى العاطفي، وإنما من خلال قدرة عملية على قراءة البيانات، ورصد الأنماط، والتنبؤ بالاختناقات، وتحسين الخدمات قبل أن تتحول المشكلات إلى شكاوى يومية.

هذا تحديدًا ما تحاول كازاخستان بناءه اليوم بهدوء وثقة. فالمسألة لا تتعلق بمجرد إطلاق مشاريع تحمل عنوان «المدن الذكية»، أو بإضافة خدمات رقمية إلى منظومة حكومية قائمة، وإنما بمحاولة أوسع لبناء منظومة وطنية تجعل التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي أدوات لخدمة الحياة اليومية للمواطن، سواء كان يعيش في العاصمة أو في مدينة إقليمية أو قرية بعيدة.

Advertisement

ومن المهم النظر إلى هذه التجربة بعيون متوازنة، بعيدًا عن الحماس المفرط أو التشكيك المسبق، لأن التحول الرقمي الحقيقي لا يُقاس بعدد المنصات والتطبيقات، وإنما بمدى قدرة هذه الأدوات على تحسين الواقع.

في قلب هذا التحول، وافقت وزارة الذكاء الاصطناعي والتطوير الرقمي في كازاخستان على نسخة جديدة من منهجية بناء «المدينة الذكية» و«المنطقة الذكية». واللافت في هذه الوثيقة أنها لا تتعامل مع الرقمنة باعتبارها مجموعة من المشاريع المنفصلة، بل تضع تصورًا لبناء نظام موحد لإدارة المناطق يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي.

ويعني ذلك انتقالًا تدريجيًا من الحلول الرقمية الفردية إلى منظومة متكاملة تشمل قطاعات النقل والبنية الأساسية والمرافق العامة ومراقبة الأسعار وجودة الخدمات. وفي قلب هذه المنظومة تأتي إدارة البيانات، من خلال مراكز التحليل الإقليمية وبحيرات البيانات التي يُنظر إليها باعتبارها جزءًا أساسيًا من البنية التحتية الرقمية.

وتتيح هذه البيانات للأنظمة اكتشاف الأنماط والتنبؤ بالمشكلات والمساعدة في اتخاذ القرارات بصورة أكثر دقة وسرعة. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في المشاريع الحضرية الجديدة، مثل مدينة ألاتاو، حيث يمكن دمج المكونات الرقمية والذكية منذ مرحلة التخطيط والتصميم، بدلًا من إضافتها لاحقًا إلى بنية قائمة.

ويواكب هذا التوجه مسار آخر يتمثل في توحيد قطاع تكنولوجيا المعلومات الحكومي، بما في ذلك الانتقال إلى بيئة «قاز تك» الموحدة، إلى جانب إطلاق مساعد رقمي يستطيع ترتيب الخدمات الحكومية استنادًا إلى وصف نصي بسيط من المستخدم.

كما يجري تطوير منصة للموثق الإلكتروني، وخريطة أعمال رقمية تجمع بيانات الحكومة وملفات الشركات، فضلًا عن خدمة توظيف رقمية يُفترض أن تغطي جميع مناطق البلاد بحلول نهاية عام 2026.

وقد تبدو هذه المشاريع منفصلة للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تمثل أجزاء من قاعدة رقمية أوسع يمكن أن تُبنى عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المستقبل. فكلما أصبحت البيانات الحكومية أكثر تكاملًا، وأصبح الوصول إليها وتحليلها أكثر سهولة، زادت قدرة المؤسسات على الانتقال من الاستجابة للمشكلات إلى توقعها والتعامل معها قبل تفاقمها.

لكن التكنولوجيا لا تعمل في فراغ، ولا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحقق أهدافه من دون بنية حوسبة قادرة على معالجة الكميات المتزايدة من البيانات.

ولهذا تعمل كازاخستان على تطوير بنية تحتية حوسبية مشتركة، من بينها وادي مراكز البيانات الوطني في إيكيباستوز، بمشاركة شركات وطنية وشركاء دوليين. وتوفر هذه القاعدة المشتركة إمكانية استخدام أدوات متقدمة لمعالجة البيانات من جانب مختلف المناطق، من دون أن تضطر كل جهة إلى إنشاء بنية تقنية مستقلة لكل مشروع.

ومع تكامل مراكز التحليل وبحيرات البيانات ومراكز الحوسبة، تتشكل البيئة اللازمة لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي، ليس فقط في تقديم الخدمات الحكومية، وإنما أيضًا في التحليل والتنبؤ ودعم صناعة القرار.

غير أن النجاح العملي لهذه المنظومة سيعتمد في النهاية على مدى قدرتها على الاندماج في العمل اليومي للإدارات المحلية، وعلى مدى قدرة الموظفين والمؤسسات على استخدام هذه الأدوات بكفاءة، وليس فقط امتلاكها.

ومن هنا تبرز أهمية التعاون الدولي. فقد خططت كازاخستان لتطوير مشاريع المدن والمناطق الذكية بالشراكة مع مجتمع «دي إي سي 40»، حيث تفتح الاتفاقية الموقعة المجال أمام تبادل الخبرات، وجذب شركات التكنولوجيا والمستثمرين، وإتاحة مشاركة المتخصصين الكازاخستانيين في برامج تدريبية دولية.

وتتضمن الخطوات العملية إعداد قائمة بالمشاريع ذات الأولوية وعرضها على الشبكة الدولية، إلى جانب دراسة تنظيم منتدى دولي حول المدن الذكية في أستانا.

ويرى المسؤولون أن هذه الشراكة يمكن أن تمنح المناطق الكازاخستانية وصولًا مباشرًا إلى أفضل الممارسات العالمية، فضلًا عن فرص استثمارية جديدة. لكن الأهم أن الهدف لا يقتصر على استيراد تقنيات جاهزة، بل على تمكين كل منطقة من تطوير مشاريعها الخاصة بالاستفادة من الخبرات والاستثمارات الدولية.

وفي خطوة أخرى تعكس الطموح الإقليمي لكازاخستان، تخطط البلاد لإنشاء مركز تكنولوجي دولي جديد متخصص في الذكاء الاصطناعي والشركات الناشئة. وفي هذا السياق، التقى رئيس الوزراء أولجاس بيكتينوف مع بالاجي سرينيفاسان، مؤسس شبكة مجتمع التكنولوجيا الدولي، لبحث آفاق التعاون في مجالي الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال.

وتتمحور الفكرة حول إنشاء «مدينة الشبكة» في منطقة بوراباي، مع إمكانية التوسع مستقبلًا إلى ألاتاو. ويتميز المشروع المقترح بأنه سيُموّل بالكامل من استثمارات خاصة، وأنه سيجمع بين التعليم ومساحات العمل المشتركة ومسرعات الشركات والفعاليات التقنية، بما في ذلك الهاكاثونات والمؤتمرات.

ويأتي هذا المشروع ضمن سلسلة من المبادرات التي سبقت ذلك، مثل «أستانا هَب» ومركز «أليم.إيه آي» وغيرها، بما يساعد على تشكيل منظومة متكاملة تمتد من البنية التحتية التقنية إلى تنمية المواهب والابتكار وريادة الأعمال.

كما أصبحت كازاخستان عضوًا مؤسسًا في المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس رغبتها في المشاركة في صياغة النقاش الدولي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي وحوكمته، بالتوازي مع بناء منظومتها المحلية.

ومن الناحية التحليلية، تبدو الاستراتيجية الكازاخستانية متماسكة في خطوطها العامة؛ فهي تقوم على بناء بنية تحتية حوسبية، وتوحيد المنصات الحكومية، وربط المناطق بشبكات البيانات والتحليلات، والانفتاح على الشراكات الدولية واستقطاب المواهب.

ويمكن لهذا النهج أن يقلل من مخاطر تكرار المشاريع، ويوفر أساسًا مشتركًا تستطيع مختلف المناطق البناء عليه. كما أن التركيز على التعليم وتنمية رأس المال البشري يعالج أحد أكبر التحديات التي تواجه أي مشروع للتحول الرقمي؛ فالتكنولوجيا مهما بلغت قوتها تظل بحاجة إلى الإنسان القادر على تطويرها وتشغيلها وتوظيفها في الاتجاه الصحيح.

ومع ذلك، فإن الطريق ليس خاليًا من التحديات.

فنجاح المدن والمناطق الذكية لا يُقاس بعدد المنصات التي أُطلقت أو حجم الاستثمارات التي أُعلن عنها، وإنما بأسئلة أكثر ارتباطًا بحياة المواطن اليومية: هل انخفضت أوقات الانتظار؟ هل أصبحت الخدمات أكثر سرعة وعدالة وشفافية؟ وهل يحصل سكان المناطق النائية على الفوائد نفسها التي يحصل عليها سكان المدن الكبرى؟

كما أن الاعتماد المتزايد على البيانات يطرح أسئلة مهمة تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني، فضلًا عن قدرة الإدارات المحلية على استيعاب الأدوات الجديدة والتعامل معها بكفاءة. أما الاستثمار الخاص، ورغم أهميته في تسريع الابتكار، فإنه يحتاج إلى بيئة تنظيمية مستقرة وثقة طويلة الأمد بين الدولة والمستثمرين.

تسير كازاخستان، إذن، في مسار طموح يحاول تحقيق توازن بين المركزية في البنية التحتية والمرونة في التنفيذ، وبين الدور الحكومي والاستثمار الخاص، وبين بناء القدرات المحلية والانفتاح على الخبرات الدولية.

وإذا نجحت البلاد في ربط هذه العناصر ببعضها بكفاءة، فقد تمتلك فرصة حقيقية لتقديم نموذج إقليمي في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ليس فقط على مستوى المدن الكبرى، وإنما على مستوى المناطق المختلفة.

وفي النهاية، وراء كل خوارزمية ومركز بيانات ومدينة ذكية، يبقى الإنسان هو المقياس الحقيقي للنجاح.

فالمواطن يريد طريقًا أقل ازدحامًا، وخدمة أسرع، وإجراءات أكثر سهولة، وفرصة عمل أفضل. والشاب يريد بيئة تمكنه من الابتكار وبناء مشروع جديد في بلاده. والمؤسسات تريد أدوات تساعدها على اتخاذ قرارات أكثر دقة واستباقية.

كازاخستان تضع اليوم عددًا من الأسس التقنية والتنظيمية لهذا المستقبل. والطريق بالتأكيد لن يكون سهلًا، ولن يخلو من العقبات والتحديات، لكن التجربة تحمل وعدًا حقيقيًا بأن تتحول التكنولوجيا من مجرد شعار إلى أداة عملية لخدمة الإنسان وتحسين جودة الحياة.

وفي نهاية المطاف، ستكشف السنوات المقبلة مدى قدرة هذه الرؤية على الانتقال من الخطط والمنصات ومراكز البيانات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

عبدالحميد حميد الكبي

كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى