آراء

حين يصبح التناقض سرّ القوة

بقلم : معمر اليافعي

Advertisement

في الجغرافيا هناك أنهار وجبال، لكن في الفلسفة هناك لقاءات أعجب من ذلك: لقاء الفكر بالواقع، والاشتراكية بالرأسمالية. الصين لم تكن مجرد دولة اختارت طريقًا اقتصاديًا أو سياسيًا، بل كانت كائنًا حضاريًا يبحث عن صيغة للحياة، كمن يمشي على حبل مشدود فوق وادٍ سحيق، فلا يسقط في هاوية الاستبداد المطلق، ولا يضيع في فوضى السوق العمياء.

منذ أن حملت راية الشيوعية الحمراء، ظنّ كثيرون أنها ستبقى حبيسة الأيديولوجيا، كما بقي الاتحاد السوفييتي أسيرًا لجدرانه. لكن الصين تأملت في مرآتها القديمة: في حكمة “الين واليانغ”، في فلسفة التوازن بين المتناقضات، في دروس كونفوشيوس الذي علّمها أن النظام لا يُلغِي الحرية، بل يهذّبها. هناك، وُلدت المعادلة: قبضة سياسية من حديد، وقلب اقتصادي نابض بالحرية.

Advertisement

لقد فهمت الصين مبكرًا أن الشعارات وحدها لا تُطعم جائعًا. أدركت أن الثورة التي لا تُترجم إلى خبز على المائدة، وإلى عمل في يد الفلاح والعامل، تتحول إلى تمثال صامت في ساحات المدن. لذلك فتحت الأبواب للتجارة، لكنها تركت المفاتيح في يد الحزب. سمحت للمال أن يركض، لكنها لم تسمح له أن يرفع صوته فوق صوت السلطة.

وهنا كان الاختلاف الجوهري مع أوروبا. ففي الغرب، كان المال هو الذي يُملي على الحكم شروطه، من قصور البندقية حتى بورصات نيويورك. أما في بكين، فقد قلبت المعادلة: الدولة هي من يُملي، والمال ينصاع. حتى الملياردير، مهما تضخمت ثروته، يبقى طفلًا في حضن الحزب. وإن تجرأ على أن يتجاوز حدود اللعبة، ذكّرته التجربة أن الصين لا تُدار بمالٍ جامح، بل بسلطة تعرف كيف تُعيده إلى صمته.

الصين لم ترَ في الاشتراكية قيدًا، بل رأت فيها جسرًا نحو العدل. ولم ترَ في الرأسمالية خصمًا، بل رأت فيها أداةً للنهضة. لم تُصلح الأيديولوجيا بالكلمات، بل أعادت تشكيلها بما يشبه الحِرفي الذي يُعيد نحت تمثال قديم ليُناسب بيتًا جديدًا.

وحين نُقارنها بالاتحاد السوفييتي، ندرك الفرق بين من جَمُد عند النصوص حتى تكسّرت، ومن جعل النص مرنًا كالماء، يدخل كل وعاء فيأخذ شكله. السوفييت انهاروا حين صدموا جدار التناقضات، أما الصين فقد حوّلت التناقض ذاته إلى طاقة.

هكذا خرجت من الفقر إلى القوة، من العزلة إلى العولمة، من القرية الزراعية إلى مصنع ومختبر يمدّ العالم بما يحتاجه. لقد صنعت من المزيج المستحيل نموذجًا للحياة، كمن يمزج النار بالماء فلا تنطفئ ولا تحترق.

ومع ذلك، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل يستمر هذا التوازن طويلًا؟ هل يستطيع الجبل أن يحتفظ بثباته أمام النهر الذي لا يتوقف عن الجريان؟ هل يمكن للسلطة أن تظل قابضة، وللسوق أن يظل حرًا، دون أن يُسقط أحدهما الآخر؟

الصين اليوم ليست مجرد اقتصاد أو نظام حكم؛ إنها فلسفة تمشي على الأرض. فلسفة تقول: ليس علينا أن نختار بين هذا أو ذاك… بل علينا أن نجرّب كيف نُصغي لصوتين متناقضين في وقت واحد.

ولعل سرّها العميق يكمن في ما ورثته من حكمتها القديمة: أن العالم لا يُبنى بالإقصاء، بل بالاحتواء. وأن النهضة ليست قطيعة مع الماضي، بل إعادة تأويل له. وأن بين المطرقة والسندان يمكن أن تنشأ موسيقى، إذا كان العازف يعرف كيف يُمسك الإيقاع.

“ما فعلته الصين ليس فقط إصلاحًا اقتصاديًا…

بل بناء هوية اقتصادية خاصة بها.

وهنا يبدأ سؤالنا في عالمنا العربي:

هل نملك نحن هوية اقتصادية… أم نستهلك نماذج الآخرين؟”

معمر حسين اليافعي (ابن الحصن)

كاتب وباحث عُماني مهتم بالفكر، الهوية والفلسفة المعاصرة.

رئيس تحرير سابق لمجلة “بيادر”.

صاحب تجربة طويلة في الإعلام، الثقافة، والتجارة.

مؤسس مشروع “ثروان”؛ رؤية ثقافية وتجارية تهدف إلى إحياء التراث الخليجي بروح عصرية، وربط الماضي بالحاضر، واستثمار الهوية كقوة ناعمة في صناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى