آراء

المايكرو دراما.. حين تختصر الحكاية في تسعين ثانية

بقلم: هانم داود

Advertisement

في تسعين ثانية فقط.. كيف خطفت المايكرو دراما عقول جيل Z وسحبت البساط من الشاشة الكبيرة؟

في عالم أصبحت فيه الثواني الخمس الأولى حاسمة بين مواصلة المشاهدة والانتقال إلى محتوى آخر، لم يكن غريبًا أن تعيد الشاشة الصغيرة، بل الصغيرة جدًا التي لا تفارق أكفّنا، رسم خريطة الدراما من جديد.

Advertisement

فالمايكرو دراما، أو ما يعرف بالدراما العمودية، لم تعد مجرد اتجاه عابر على منصات مثل «تيك توك» و«ريلز»، وإنما تحولت إلى صيغة جديدة كليًا في صناعة المحتوى البصري، تستبدل جلسة المشاهدة التقليدية أمام الشاشة بالتمرير السريع عبر الهاتف.

إنها ببساطة «طبخة درامية على السريع».. لكن وراء هذه السرعة قواعد إنتاج ومشاهدة جديدة فرضتها الخوارزميات.

طبخة درامية سريعة.. والسر في الخوارزميات

قلبت المايكرو دراما قواعد اللعبة رأسًا على عقب؛ فبينما كان الكاتب التقليدي يملك رفاهية التمهيد وبناء الشخصيات وتطوير الأحداث على مهل، جاء هذا النمط الجديد بقاعدة حاسمة: ادخل في صلب الحكاية فورًا.

لا وقت للمقدمات الطويلة؛ فكل ثانية لا تحمل حدثًا أو إثارة قد تكون سببًا في فقدان المشاهد. وكل حلقة تنتهي عند نقطة مشوقة أو عقدة درامية تدفع المتابع إلى الانتقال مباشرة للحلقة التالية.

أما الكادر العمودي، فقد غيّر بدوره شكل الصورة الدرامية؛ إذ تراجعت المشاهد البانورامية الواسعة لمصلحة التركيز على الوجوه وتفاصيلها، لتصبح تعبيرات الشخصيات وانفعالاتها في قلب المشهد، وهو ما يمنح المتلقي إحساسًا أكثر حميمية وقربًا من أبطال العمل.

الخوارزمية هي المخرج والمنتج

في عالم المايكرو دراما، لم يعد تقييم العمل متوقفًا فقط على رأي الناقد الفني أو نجاحه وفق المقاييس التقليدية، بل أصبحت الأرقام جزءًا أساسيًا من صناعة القرار.

هل أكمل المشاهد الثواني الأولى؟ هل واصل الحلقة حتى نهايتها؟ هل تفاعل معها؟ هل ضغط زر الإعجاب؟ وهل انتقل إلى الحلقة التالية؟

أسئلة تجيب عنها البيانات لحظة بلحظة، ومنها تُرسم خريطة انتشار العمل ونجاحه. فالخوارزمية أصبحت شريكًا أساسيًا في تحديد ما يستمر وما يختفي سريعًا من المشهد.

وجبة رقمية لجيل Z.. وسوق إنتاجي واعد

هذا التحول في الشكل فرض بالضرورة تغييرًا في سلوك المشاهدة. فلم يعد المشاهد ينتظر موعد عرض مسلسل عند الساعة الثامنة مساءً، وإنما أصبحت الدراما تُستهلك خلال الفواصل الزمنية القصيرة: في وسائل النقل، أو أثناء انتظار القهوة، أو خلال دقائق الاستراحة، وحتى قبل النوم.

وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في عدد من الأعمال الرقمية السريعة التي حظيت بتفاعل واسع، مثل «ابن الشركة» و«التمثيلية»، والتي جاءت منسجمة مع إيقاع جيل Z وطبيعة استهلاكه للمحتوى.

ولا تقتصر أهمية المايكرو دراما على تغيير طريقة المشاهدة، بل تمتد إلى صناعة الإنتاج نفسها؛ إذ يتيح هذا النمط فرصًا جديدة أمام الكتاب والمخرجين الشباب لتقديم أعمالهم بإمكانات إنتاجية أقل مقارنة بالأعمال الدرامية التقليدية، بما قد يسهم في ضخ دماء جديدة في صناعة المحتوى وتعزيز الاستثمار في الاقتصاد الرقمي والصناعات الإبداعية.

سلاح ذو حدين.. اختلاف في طبيعة الحكاية

ورغم الانتشار اللافت الذي حققته المايكرو دراما، فإنها لا تخلو من الانتقادات. فهناك من يرى أنها تمثل «وجبة سريعة» يصعب من خلالها تقديم الأعمال التاريخية أو الحبكات المركبة والشخصيات متعددة الأبعاد التي تحتاج إلى مساحة زمنية أكبر للنمو والتطور.

فالدراما السريعة تقوم في الأساس على التكثيف، والاعتماد على المواقف الاجتماعية والتشويق المتواصل، بما يتناسب مع طبيعة المشاهدة عبر الهاتف وفي أثناء الحركة.

في المقابل، لا تزال الدراما التقليدية تحتفظ بمكانتها وقدرتها على تقديم الملاحم والأعمال التاريخية والقصص المعقدة التي تحتاج إلى زمن أطول في السرد، وإلى مشاهدة أكثر استقرارًا أمام الشاشات المنزلية.

جيل Z.. الجمهور الذي غيّر قواعد المشاهدة

ومن المهم عند الحديث عن المايكرو دراما التوقف عند الجمهور الذي ساهم بصورة كبيرة في انتشارها، وهو جيل Z، الذي يأتي بعد جيل الألفية «الميلينيالز» وقبل جيل ألفا، ويُعرّف بصورة عامة بأنه يضم مواليد الفترة الممتدة تقريبًا من عام 1997 إلى عام 2012.

ويتميز هذا الجيل بكونه أول جيل نشأ في بيئة رقمية متكاملة، حيث الإنترنت والهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي جزء أساسي من الحياة اليومية منذ سنوات الطفولة.

كما يميل أبناء جيل Z إلى الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والبيئية، والبحث عن العلامات التجارية التي تتبنى قيمًا واضحة في مجالات الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، إلى جانب اهتمامهم بالمرونة المهنية وتعدد مصادر الدخل، في ظل نشأتهم وسط أزمات اقتصادية وتحولات عالمية متسارعة.

ويبرز كذلك اهتمامهم بالصحة النفسية والتقبل والانفتاح على الاختلافات الثقافية والفردية، فضلًا عن اعتمادهم الكبير على منصات الفيديو القصير والتفاعلي، مثل «تيك توك» و«ريلز» و«يوتيوب»، سواء للترفيه أو البحث عن المعلومات والتعلم.

المايكرو دراما.. شقيق أصغر لا بديل كامل

ولدت المايكرو دراما لتبقى، على ما يبدو، رافدًا بصريًا جديدًا يفرض حضوره بقوة على الساحة، لكنها لا تبدو مرشحة لمحو التاريخ الطويل للدراما الكلاسيكية أو إلغاء حضورها.

إنها أشبه بشقيق أصغر دخل العائلة الفنية وفرض لنفسه مساحة مختلفة، وأثبت أن الحكاية، مهما تطورت أدوات روايتها، من الحكاية الشفاهية إلى المسرح والسينما والتلفزيون ثم شاشة الهاتف، تظل قادرة على الوصول إلى المتلقي ما دامت تمتلك جوهرًا واحدًا: القدرة على لمس قلب المشاهد.

وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل.. فالحكاية لم تعد تحتاج إلى ساعات طويلة كي تُروى، وربما لا تحتاج حتى إلى حلقة كاملة.

أحيانًا.. يكفي أن تمنحها تسعين ثانية فقط لتعرف إن كانت ستبقى في ذاكرة المشاهد أم ستختفي مع التمريرة التالية.

دراما
هانم داود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى