مخرجات الجامعات وفرص العمل للشباب الخليجي

بقلم : د. حيدر بن عبدالرضا اللواتي
خلال العقود الثلاثة الماضية، تم إنشاء عدد من المؤسسات الأكاديمية بدول مجلس التعاون الخليجي في عدد من التخصصات المهمة، الأمر الذي أدى إلى إتاحة الفرصة للشباب الخليجي للعمل في المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة في القطاعين العام والخاص.
واليوم، فإن الشباب الخليجي يمثلون النسبة الأكبر من سكان دول المجلس، حيث تشير البيانات الإحصائية الصادرة عن المركز الإحصائي الخليجي إلى أن إجمالي عدد الشباب في دول مجلس التعاون، ضمن الفئة العمرية (15- 34 سنة)، بلغ نحو 23.5 مليون شاب وشابة في عام 2024، يمثلون ما نسبته 38.2% من الإجمالي، منهم 14.2 مليون ذكر بنسبة 60.5%، و9.3 مليون أنثى بنسبة 39.5%، أي أن الشباب يمثلون الأكثرية في دول المجلس.
وهناك اليوم العديد من التحديات أمام هذا الشباب بعد تخرجهم من الجامعات، وتختلف في حدتها من دولة إلى أخرى، إلا أنها تتشابه في كثير من الجوانب بسبب الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية لدول الخليج. ومن أبرز تلك التحديات الحصول على فرصة عمل مناسبة، حيث يعد التوظيف التحدي الأكبر لدى كثير من الخريجين الذين يفوق عددهم، أحيانًا، في بعض التخصصات، عدد الفرص المتاحة. أما التحدي الآخر فيأتي بسبب تفضيل بعض الشباب العمل في القطاع الحكومي لما يوفره من استقرار ومزايا، الأمر الذي يؤدي إلى انتظارهم لفترات طويلة للحصول على العمل المناسب. ويرى البعض أن هناك فجوة بين التعليم وسوق العمل بدول الخليج، حيث لا تزال بعض الجامعات تركز على الجانب النظري أكثر من المهارات العملية، في الوقت الذي تحتاج فيه الأسواق إلى مهارات في عدد من التخصصات المهمة في التقنيات الحديثة والإدارة. ولذلك يجد بعض الخريجين أنفسهم بحاجة إلى تدريب إضافي قبل الالتحاق بالعمل. كما نجد أن هناك منافسة كبيرة مع العمالة الوافدة في بعض القطاعات الاقتصادية، حيث تتمتع العمالة الأجنبية بخبرة طويلة وتقبل برواتب أقل، مما يزيد من المنافسة، رغم برامج التوطين التي تنفذها جميع دول المجلس.
وكما هو معروف، فإن كثيرًا من الخريجين بدول المجلس يتطلعون إلى رواتب مرتفعة منذ بداية حياتهم المهنية، بينما نجد أن الشركات الخاصة بدول المجلس توفر رواتب أقل نسبيًّا، مما يؤدي إلى تأخر بعض الخريجين في الحصول على الفرص الوظيفية. كما أن هناك ضعفًا لدى الخليجيين في ثقافة ريادة الأعمال، رغم الجهود التي تبذلها المؤسسات الحكومية في تقديم الدعم الحكومي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلا أن نسبة من الشباب ما زالت تفضل الوظيفة التقليدية بسبب خوفهم من المخاطرة، ومحدودية الخبرة الإدارية لديهم، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على العملاء في بداية المشروع، وكذلك القلق من الاستدامة المالية لمشاريعهم الفتية.
واليوم، يتطلب من الخريج إلمامه بالتحول السريع نحو الاقتصاد الرقمي في إطار التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والاقتصاد الرقمي، والتجارة الإلكترونية، الأمر الذي يفرض على الخريجين تحديث مهاراتهم باستمرار؛ لأن بعض الوظائف التقليدية بدأت تتراجع مقابل ظهور وظائف جديدة.
ومن التحديات الأخرى التي يواجهها الشاب الخليجي بعد التخرج الضغوط الاقتصادية والاجتماعية للحياة، والتي ترتبط بشكل مباشر ببناء مستقبلهم، وارتفاع تكاليف الزواج والمعيشة، والحصول على السكن، وتكوين الاستقرار المالي في السنوات الأولى من العمل، بجانب حاجته إلى الخبرة العملية للعمل في المؤسسات الخاصة.
واليوم، لم يعد الحصول على وظيفة دائمة هو الخيار الوحيد، بل ظهرت أنماط جديدة في الأعمال التي يمكن أن يقوم بها الشاب الخليجي، مثل العمل الحر، والعمل عن بُعد، والاقتصاد التشاركي، والمشاريع الناشئة، إلا أن بعض الشباب لم يعتد بعد على هذه الأنماط، أو لا يمتلك المهارات اللازمة للاستفادة منها.
وأمام هذه المعضلات والتحديات، فإن حكومات دول المجلس اتخذت خطوات مهمة خلال السنوات الماضية من أجل مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، ودعم برامج التدريب والتأهيل المهني، وتشجيع ريادة الأعمال والابتكار، وتوسيع برامج التوطين في القطاع الخاص، بالإضافة إلى الاستثمار في الاقتصاد الرقمي والصناعات المستقبلية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وعلى صعيد التوقعات المستقبلية، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد الشباب في دول مجلس التعاون مرشح للارتفاع إلى 28.6 مليون نسمة بحلول عام 2050، بزيادة تقدر بنحو 5.9 مليون نسمة مقارنة بعام 2024، وبمعدل نمو إجمالي يبلغ 26%.
وقد قامت بعض الحكومات الخليجية بوضع رؤى اقتصادية وطنية طويلة المدى بهدف تنويع الاقتصادات الخليجية، وخلق وظائف ذات قيمة مضافة لاستيعاب هذه الأعداد. ومن المرجح أن يكون التحدي الأكبر أمام الشباب الخليجي هو التكيف مع التحول الاقتصادي والتكنولوجي. فالاقتصادات الخليجية تتجه تدريجيًّا من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، مما يعني أن النجاح المهني لن يعتمد على الشهادة الجامعية وحدها، بل على التعلم المستمر، واكتساب المهارات الرقمية، وإتقان اللغات، والقدرة على الابتكار وريادة الأعمال. ومن يمتلك هذه المقومات سيكون أكثر قدرة على المنافسة في أسواق العمل المحلية والعالمية.



