آراء

هل يواكب الطلب المحلي طفرة صناعة السيارات في كازاخستان؟

بقلم : عبدالحميد حميد الكبي

Advertisement

تشهد صناعة السيارات في كازاخستان مرحلة توسع غير مسبوقة، مدفوعة باستثمارات ضخمة وخطط حكومية تستهدف تحويل القطاع إلى أحد أعمدة التنويع الاقتصادي. وبينما تعكس المؤشرات الرسمية نمواً لافتاً في الإنتاج والتوظيف، فإنها تطرح في المقابل تساؤلات جوهرية حول قدرة السوق المحلية على استيعاب هذا التوسع، ومدى إمكانية تحقيق صناعة وطنية مستقلة لا تقتصر على تجميع المركبات.

وجاء اجتماع الحكومة الذي ترأسه رئيس الوزراء أولزهاس بيكتينوف في 21 يوليو الماضي ليؤكد أن تطوير صناعة السيارات أصبح أولوية استراتيجية للدولة، في إطار السعي إلى بناء قاعدة صناعية متقدمة تعتمد على التكنولوجيا والتصنيع المحلي. وخلال الاجتماع، شدد رئيس الوزراء على أن الهدف لا يتمثل في توسيع خطوط التجميع فحسب، بل في تأسيس صناعة متكاملة قادرة على خلق قيمة مضافة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الكازاخستاني.

Advertisement

وتعكس الأرقام حجم هذا التوجه؛ إذ بلغت الاستثمارات في القطاع خلال السنوات الخمس الماضية نحو 457 مليار تنغي، فيما ارتفع عدد العاملين إلى أكثر من 10 آلاف موظف. كما سجلت المصانع إنتاج 171 ألف مركبة خلال العام الماضي، مع استهداف رفع الإنتاج إلى 190 ألف سيارة خلال العام الجاري.

وفي عام 2025، دخل مصنعان جديدان الخدمة باستثمارات تجاوزت 347 مليار تنغي، وأسفرا عن توفير أكثر من خمسة آلاف فرصة عمل، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة في مستقبل القطاع. غير أن هذه الطفرة الإنتاجية تضع تحدياً واضحاً أمام السوق المحلية، التي تبقى محدودة الحجم مقارنة بالطموحات الصناعية المعلنة.

وفي إطار تعزيز سلاسل الإمداد المحلية، طرح الاتحاد الكازاخستاني للسيارات ثلاثة محاور رئيسية للتطوير، تشمل إنشاء تجمعات صناعية تربط الشركات الكبرى بالموردين المحليين، وتوسيع خيارات التمويل عبر القروض والتأجير، إضافة إلى تشديد الرقابة على السيارات التي تدخل البلاد بطرق غير نظامية، بما يضمن منافسة عادلة للمنتج المحلي.

ومن أبرز المشاريع المطروحة حالياً، خطة مجموعة ألور بالشراكة مع قرمت وكيا قازاقستان لإنتاج مكونات هياكل السيارات باستخدام الفولاذ المصنع محلياً. ويستهدف المشروع إنتاج صفائح فولاذية مخصصة للسيارات بحلول عام 2028، على أن يبدأ الإنتاج التجاري في العام التالي بطاقة تصل إلى نحو 100 ألف مجموعة سنوياً، في خطوة قد تمثل نقلة نوعية نحو رفع نسبة المكون المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.

وفي قطاع المركبات الكهربائية، برزت شركة BYD كأحد أبرز الشركاء الصناعيين، حيث أعلنت مجموعة أستانا موتورز عزمها البدء في تجميع الحافلات الكهربائية خلال العام الجاري، على أن يتبعها إنتاج السيارات الهجينة والكهربائية ابتداءً من عام 2027.

وأبدت الحكومة دعماً واضحاً لهذا التوجه، إذ أكد رئيس الوزراء استعداد الدولة لتوفير التسهيلات اللازمة لإنجاح المشروع، خاصة مع تحقيق العلامة التجارية مبيعات تجاوزت ألفي سيارة خلال النصف الأول من العام، مع استهداف مضاعفة هذا الرقم خلال العامين المقبلين.

ورغم المؤشرات الإيجابية، فإن التوسع الحالي يثير عدداً من التساؤلات حول مستقبل الصناعة على المدى الطويل. فالاعتماد المتزايد على الشركات الصينية يمنح كازاخستان زخماً سريعاً في التصنيع، لكنه قد يبقيها معتمدة على التكنولوجيا والخبرة الخارجية ما لم يترافق مع نقل حقيقي للمعرفة وتطوير قدرات محلية في البحث والتطوير والهندسة الصناعية.

كما أن تحقيق توطين فعلي للصناعة يتطلب سنوات من الاستثمار في الصناعات المغذية، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وإنشاء منظومة متكاملة للموردين المحليين، وهو ما يجعل الوصول إلى صناعة مستقلة أكثر تعقيداً مما توحي به الخطط الزمنية الحالية.

ويبقى التحدي الاقتصادي الأبرز مرتبطاً بحجم الطلب الداخلي. فدولة يبلغ عدد سكانها نحو 20 مليون نسمة قد لا تكون قادرة على استيعاب إنتاج سنوي يقترب من 190 ألف مركبة، خصوصاً أن السوق المحلية تستوعب في أفضل الأعوام ما بين 100 و130 ألف سيارة جديدة، مع استمرار المنافسة من السيارات المستوردة.

وفي حال استمر الإنتاج بالارتفاع دون نمو موازٍ في القوة الشرائية أو توسع برامج التمويل، فقد تواجه المصانع فائضاً في الإنتاج خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي يجعل التصدير خياراً استراتيجياً وليس مجرد فرصة إضافية.

وتبرز أسواق آسيا الوسطى ودول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، مثل أوزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وروسيا، كوجهات محتملة للصادرات الكازاخستانية، إلا أن النجاح في هذه الأسواق يتطلب القدرة على المنافسة السعرية، والالتزام بالمعايير الفنية، وتطوير البنية اللوجستية اللازمة لدعم حركة التصدير.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو كازاخستان ماضية بثقة نحو بناء قطاع صناعي واعد، إلا أن نجاح التجربة لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو أعداد السيارات المنتجة، بل بقدرتها على تأسيس صناعة متكاملة تمتلك التكنولوجيا، وترفع نسبة التصنيع المحلي، وتنافس في الأسواق الإقليمية والدولية.

وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في زيادة الإنتاج فحسب، وإنما في بناء صناعة مستدامة قادرة على خلق قيمة اقتصادية مضافة داخل البلاد، وتحقيق استقلالية أكبر في سلاسل الإنتاج، بما يضمن لها مكانة راسخة في خريطة صناعة السيارات الإقليمية والعالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى