قراءة في المكالمة المتوترة ترامب-نتنياهو: اختبار حدود التحالف وإعادة تعريف النصر

بقلم: د. يوسف حسن
يشهد المشهد الاستراتيجي الراهن توتراً متصاعداً في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، لا يبدو مجرد خلاف عابر حول إدارة الحرب، بل يعكس تبايناً عميقاً في الأولويات والحسابات الاستراتيجية لدى الطرفين. فبحسب ما كشفته تسريبات صحيفة “وول ستريت جورنال”، حملت المكالمة الهاتفية التي جرت مساء الثلاثاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤشرات واضحة على اتساع فجوة التقديرات بشأن مستقبل المواجهة مع إيران.
في الوقت الذي يتمسك فيه نتنياهو برفض أي اتفاق يفضي إلى وقف العمليات العسكرية، ويواصل اللوبي الإسرائيلي ممارسة ضغوط مكثفة لتعطيل المسار الدبلوماسي، يدفع ترامب باتجاه تسوية تفاوضية تهدف إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي، مع إبقاء خيار العودة إلى الضربات العسكرية مطروحاً إذا لم تُبدِ طهران مرونة كافية.
اللافت في المكالمة أن ترامب، وفق التسريبات، لم يُبدِ اقتناعاً بالمبررات الإسرائيلية الرافضة للتسوية، بل أبلغ نتنياهو بشكل مباشر أنه ماضٍ في استراتيجيته، الأمر الذي دفع الأخير لاحقاً إلى محاولة احتواء التوتر عبر التصريح بأنه “سيفعل ما يريده ترامب”، في خطوة بدت أقرب إلى ترميم صورة العلاقة أمام الرأي العام الدولي والإسرائيلي.
وفي الميدان، تتحدث المعطيات عن نشاط دبلوماسي متسارع تقوده باكستان إلى جانب أطراف إقليمية ودولية أخرى، وسط انقسام واضح في الرؤية بين الحليفين. فإدارة ترامب، التي تسعى إلى إنهاء نزاع طويل ومكلف اقتصادياً وسياسياً، ترى أن سياسة الضغط الاقتصادي بدأت تحقق أهدافها، وأن استمرار التصعيد العسكري قد يفتح أبواب استنزاف جديد لا يحظى بقبول داخلي أمريكي واسع.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى المشهد من زاوية مختلفة تماماً، إذ تسعى إلى استئناف حملة عسكرية أوسع ضد إيران، باعتبار أن أي تسوية لا تُضعف البنية العسكرية والنووية الإيرانية بشكل جذري ستبقي “التهديد الوجودي” قائماً من وجهة نظرها.
وعلى المستوى العملياتي، ما تزال إسرائيل في حالة تأهب قصوى، مستندة إلى دعم لوجستي وعسكري أمريكي، بما في ذلك تجهيزات مرتبطة بطائرات التزود بالوقود في مطار بن غوريون، تحسباً لأي مواجهة محتملة. إلا أن القلق الاستراتيجي الأكبر لدى تل أبيب لا يرتبط فقط بإغلاق مضيق هرمز أو تداعياته الاقتصادية العالمية، بل بالخوف من التوصل إلى اتفاق سريع ومرن مع طهران، لا يتضمن تفكيكاً حقيقياً للبرنامجين النووي والصاروخي الإيراني.
وفي هذا السياق، يرى خبراء استراتيجيون إسرائيليون، من بينهم يعقوب عميدرور، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق، أن أي اتفاق “جيد” يجب أن يشمل تصدير اليورانيوم المخصب وتفكيك منشآت التخصيب بصورة كاملة. أما الاتفاق الذي لا يحقق هذه الشروط، فقد يدفع إسرائيل إلى العمل بكل أدواتها لإفشاله، حتى لو أدى ذلك إلى احتكاك مباشر مع الحليف الأمريكي نفسه.
في المحصلة، لم تكن المكالمة المتوترة بين ترامب ونتنياهو مجرد نقاش حاد حول إدارة الأزمة، بل بدت إعلاناً عن مرحلة جديدة من التوازن الاستراتيجي الهش، حيث يحاول كل طرف إعادة تسعير أوراق قوته قبل الوصول إلى لحظة الحسم، في منطقة تتغير معادلاتها بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.



