هل صنعت المهرجانات السياحة في ظفار… أم أن الطبيعة هي التي صنعت المهرجانات؟

بقلم: معمر اليافعي
هناك حقائق تبدو بديهية لكثرة تكرارها، حتى نكاد نتوقف عن مناقشتها
ومن بينها الاعتقاد بأن المهرجانات والفعاليات هي التي صنعت النجاح السياحي في ظفار، وأنها السبب الرئيسي وراء تدفق الزوار إلى صلالة خلال موسم الخريف.
لكنني أرى أن هذه الفكرة تستحق إعادة النظر.
فهل صنعت المهرجانات السياحة في ظفار، أم أن الطبيعة هي التي منحت المهرجانات أسباب نجاحها؟
دعونا نتخيل أمرين.
لو توقفت جميع فعاليات موسم خريف ظفار عامًا كاملًا، هل سيتوقف السياح عن زيارة المحافظة؟
أعتقد أن كثيرين سيواصلون القدوم، بحثًا عن الضباب والمطر والخضرة والجبال والعيون والأجواء التي لا تشبه أجواء الصيف في معظم مدن الجزيرة العربية.
ولكن دعونا نعكس السؤال.
لو غاب الخريف، واختفت الخضرة والضباب والأجواء الاستثنائية، فهل تستطيع المهرجانات وحدها أن تحقق الجاذبية السياحية نفسها؟
هنا يظهر الفرق بين ما تصنعه الطبيعة وما يصنعه الإنسان.
فالطبيعة لم تنتظر المهرجانات حتى تصبح جميلة، ولم تنتظر الحملات الإعلانية حتى تكتسب قيمتها.
لقد كانت ظفار وجهة طبيعية قبل أن تصبح وجهة للفعاليات المنظمة.
وهذا لا يقلل من أهمية المهرجانات، ولا من جهود الجهات التي تعمل على تنظيم موسم الخريف وتطويره، فقد أسهمت الفعاليات في تنشيط الحركة الاقتصادية وإثراء تجربة الزائر والتعريف بالموروث الثقافي.
لكن من المهم أن نميز بين المورد السياحي الذي يجذب الإنسان، والأداة التي تساعد على استثماره.
فالطبيعة هي رأس المال الأصلي، والمهرجانات إحدى وسائل تنميته.
وهنا نصل إلى القضية الأهم.
هل يكفي أن ننجح في جذب السائح، أم ينبغي أن ننجح أيضًا في إقناعه بالعودة؟
هناك فرق اقتصادي كبير بين الزيارة الأولى والزيارات المتكررة.
قد يأتي السائح إلى ظفار للمرة الأولى بدافع الفضول، أو بسبب الصور التي شاهدها، أو رغبةً في الاستمتاع بالخريف.
لكنه عندما يفكر في العودة للمرة الثانية والثالثة، فإنه لا يقارن الطبيعة وحدها، بل يقارن تجربته كاملة بما تقدمه الوجهات الأخرى.
وهذا التحدي يبدو أكثر وضوحًا في السياحة العائلية الخليجية.
فالعائلة التي تقطع مسافات طويلة لا تبحث عن المناظر الطبيعية فحسب، بل تحتاج إلى مرافق متكاملة، وخدمات مريحة، ومراكز ترفيه، وحدائق، وأنشطة للأطفال، وتجارب تتجدد من عام إلى آخر.
وهذا النوع من السياحة يتطلب استثمارات كبيرة ومستمرة في البنية التحتية، ولا يمكن أن تتحمل المهرجانات الموسمية وحدها مسؤولية تطويره.
وفي المقابل، تمتلك ظفار مقومات سياحية أخرى قد تحتاج إلى نماذج استثمارية مختلفة، مثل السياحة البيئية والتاريخية والثقافية، وسياحة المغامرات واللبان والتراث والقرى والجبال.
فليس كل سائح يبحث عن التجربة نفسها، وليس كل نوع من السياحة يحتاج إلى الحجم نفسه من الاستثمارات.
ومن هنا أعتقد أن مستقبل السياحة في ظفار لا ينبغي أن يقوم على سؤال: كيف نجذب أكبر عدد من الزوار خلال الخريف؟
بل على أسئلة أعمق:
كيف نحافظ على الزائر الذي عرف ظفار وأحبها؟
كيف نجعل لكل زيارة تجربة جديدة؟
كيف نستثمر تنوع ظفار الطبيعي والتاريخي والثقافي على مدار العام؟
وكيف نحول الحركة السياحية من نشاط موسمي إلى اقتصاد مستدام يخلق فرص العمل ويفتح أبواب الاستثمار أمام أبناء المحافظة؟
إن عدد الزوار مؤشر مهم، لكنه ليس المقياس الوحيد للنجاح.
فالقيمة الاقتصادية الحقيقية تظهر أيضًا في مدة الإقامة، وحجم الإنفاق، ونسبة الزوار العائدين، واستمرار المشاريع، وحجم استفادة المجتمع المحلي.
لقد منحت الطبيعة ظفار ميزة تنافسية نادرة، لكن المزايا الطبيعية وحدها لا تضمن التفوق إلى الأبد.
فالعالم يتغير، والسائح يتغير، والوجهات السياحية تتنافس وتتطور.
وما كان كافيًا لجذب الزائر بالأمس، قد لا يكون كافيًا للاحتفاظ به غدًا.
إن التحدي الحقيقي لم يعد في تعريف الناس بجمال ظفار، فقد عرفوه منذ زمن، بل في تحويل هذا الجمال إلى صناعة سياحية متكاملة تتطور مع الإنسان وتطلعاته.
ولذلك، فإننا لا نحتاج إلى الاختيار بين الطبيعة والمهرجانات، بل إلى فهم العلاقة بينهما، ووضع كل منهما في مكانه الصحيح ضمن رؤية اقتصادية طويلة المدى.
فالطبيعة صنعت الجاذبية.
والمهرجانات عززت حضورها.
أما المستقبل، فلن تصنعه الطبيعة وحدها، ولا المهرجانات وحدها، بل تصنعه الرؤية التي تعرف كيف تحول الهبة الطبيعية إلى ثروة اقتصادية مستدامة.



