آراء

ذاكرة مصر على أشرطة السينما.. هل نحتاج إلى مشروع قومي لإنقاذ تراثنا الفني؟

بقلم: هانم داود

Advertisement

لم تكن السينما المصرية على امتداد تاريخها مجرد وسيلة للترفيه أو نافذة لقضاء أوقات الفراغ، بل مثلت سجلا حيا لتاريخ المجتمع، ومرآة عكست تحولات الحياة المصرية وتفاصيلها الاجتماعية والسياسية والثقافية. فمن خلال أفلامها، وثقت الشاشة الكبيرة ملامح الشوارع والحارات، وحكايات الناس، وتغير أنماط الحياة، وتطور اللغة والهوية البصرية للمصريين.

وعندما نشاهد اليوم فيلما كلاسيكيا يعود إنتاجه إلى أربعينيات أو خمسينيات أو سبعينيات القرن الماضي، فإننا لا نستعيد مجرد ذكريات جميلة، بل نفتح نافذة على مرحلة تاريخية بكل ما حملته من أحداث وتحديات وأفكار وتحولات. فقد تجاوزت السينما في أوج ازدهارها حدود تقديم الحكايات الدرامية، لتصبح أداة للتعبير عن قضايا المجتمع، وكشف أوجه الخلل فيه، وإثارة النقاش حول مشكلات تمس حياة المواطنين وحقوقهم.

Advertisement

مصر

لكن هذا الإرث الفني والثقافي الضخم، الذي شكل أحد أبرز مصادر القوة الناعمة المصرية في العالم العربي لعقود طويلة، يواجه اليوم تحديا حقيقيا يتمثل في مخاطر ضياع أجزاء من ذاكرته. فهناك أفلام وأعمال سينمائية قديمة أصبحت أصولها معرضة للتلف بفعل مرور الزمن وسوء ظروف التخزين والرطوبة، إلى جانب تشتت حقوق الملكية لبعض الأعمال، وغياب أعمال الصيانة والترميم الرقمي بالقدر الذي يتناسب مع قيمة هذا التراث.

وهنا يبرز سؤال لا ينبغي التعامل معه باعتباره شأنا فنيا محدودا: كيف يمكن لدولة تمتلك هذا الرصيد السينمائي الاستثنائي أن تترك جزءا من ذاكرتها الثقافية عرضة للإهمال، أو رهينة لمبادرات فردية لا تملك دائما الإمكانات اللازمة لإنقاذها؟

مصر

 

 

إن الحفاظ على الأرشيف السينمائي المصري لم يعد ترفا ثقافيا أو مهمة تقتصر على المتخصصين في تاريخ الفن، بل أصبح مسؤولية وطنية تتصل بحماية الهوية وصون الذاكرة الجماعية وتعزيز الحضور الثقافي المصري. فالأمم التي تحترم تاريخها لا تكتفي بالاحتفاء بإنجازاتها، وإنما تعمل على حماية مصادر هذا التاريخ وإتاحتها للأجيال الجديدة.

وتتجلى أهمية السينما المصرية في قدرتها على تجاوز حدود الإبداع الفني، إذ نجحت أعمال كثيرة في طرح قضايا اجتماعية وقانونية وإنسانية، وأسهمت في تشكيل الوعي العام، ومناقشة حقوق الأفراد، ومواجهة بعض المعتقدات الخاطئة والممارسات المجتمعية السلبية.

مصر

ومن أبرز هذه الأعمال فيلم «قنديل أم هاشم» (1968)، المأخوذ عن رواية الأديب يحيى حقي، ومن إخراج كمال الشيخ. فقد قدم الفيلم معالجة فكرية عميقة للصراع بين العلم والخرافة، من خلال شخصية إسماعيل، الطبيب الذي يعود من لندن ليصطدم بواقع اجتماعي تنتشر فيه المعتقدات الشعبية والممارسات غير العلمية. ولم تكن القضية مجرد حكاية سينمائية، بل دعوة واضحة إلى إعمال العقل والاحتكام إلى العلم، دون التفريط في الهوية الثقافية والروحية للمجتمع.

وفي العام نفسه، قدم المخرج حسين كمال فيلم «البوسطجي»، المأخوذ عن رواية يحيى حقي، ليكشف من خلال أحداثه عن صور من الظلم الاجتماعي والتهميش الذي يعانيه البسطاء في بعض البيئات الريفية. وتناول العمل قضايا تتصل بحقوق المرأة والضعفاء، وما يمكن أن يترتب على غياب العدالة والرقابة المجتمعية من مآس إنسانية، مؤكدا أن الفن الحقيقي لا يكتفي برصد الواقع، بل يدفع المشاهد إلى التفكير في أسباب الخلل ونتائجه.

مصر

كما قدمت السينما المصرية نماذج أخرى لأعمال ارتبطت بقضايا حقوقية واجتماعية مهمة، من بينها:

– «أريد حلا» (1975): تناول معاناة المرأة في إجراءات التقاضي للحصول على الطلاق، وسلط الضوء على أوجه القصور في بعض جوانب قانون الأحوال الشخصية، وأسهم في إثارة نقاش مجتمعي واسع حول حقوق المرأة، بالتزامن مع التعديلات التشريعية التي شهدتها تلك المرحلة.

– «جعلوني مجرما» (1954): ناقش قضية الأحداث وتأثير السوابق الجنائية في مستقبلهم، وطرح فكرة منح المخطئ فرصة جديدة للاندماج في المجتمع، بعيدا عن الأحكام المسبقة التي قد تلاحقه طوال حياته. وارتبط الفيلم بالنقاش المجتمعي الذي سبق إلغاء السابقة الأولى من صحيفة الحالة الجنائية في حالات محددة.

– «كلمة شرف» (1973): تناول الجانب الإنساني في حياة السجناء، وطرح تساؤلات حول ضرورة مراعاة الظروف الأسرية والإنسانية للمسجون، من خلال قصة تعكس أهمية التوازن بين تنفيذ العقوبة واحترام الجوانب الإنسانية.

– «ضد الحكومة» (1992): اقتحم ملفات الفساد والإهمال وإهدار حقوق المواطنين، وقدم مواجهة درامية مع مظاهر الخلل المؤسسي، مؤكدا أهمية القضاء باعتباره أحد السبل الأساسية للدفاع عن حقوق الأفراد ومواجهة التجاوزات.

– «هي فوضى؟» (2007): سلط الضوء على تجاوزات السلطة والفساد الشرطي، وما يمكن أن تتركه الممارسات غير القانونية من آثار خطيرة على ثقة المواطن في المؤسسات واستقرار المجتمع.

مصر

هذه النماذج تؤكد أن السينما المصرية لم تكن مجرد صناعة تنتج أفلاما للعرض التجاري، وإنما كانت في مراحل كثيرة شريكا في تشكيل الوعي العام، ووسيلة لطرح الأسئلة الصعبة ومناقشة قضايا ربما لم تكن تجد المساحة نفسها في وسائل التعبير الأخرى.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إطلاق مشروع قومي متكامل لإنقاذ الأرشيف السينمائي والفني المصري، يبدأ بحصر الأعمال والأصول السينمائية وتوثيقها، وتحديد حالتها الفنية وحقوق ملكيتها، ثم وضع خطة عاجلة لترميم النسخ المهددة بالتلف وتحويلها إلى صيغ رقمية آمنة وفق المعايير الفنية المعتمدة.

كما ينبغي أن يتضمن المشروع إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للأفلام والمواد السمعية والبصرية، وتوفير مستودعات مجهزة للحفظ طويل الأمد، إلى جانب التعاون مع المؤسسات السينمائية والثقافية الدولية المتخصصة، والاستفادة من خبراتها في الترميم والأرشفة والإتاحة الرقمية.

ولا يقل أهمية عن ذلك ضمان إتاحة هذا التراث للباحثين والطلاب والأجيال الجديدة، من خلال منصات رقمية ومبادرات تعليمية وثقافية تحفظ حقوق الملكية الفكرية، وتعيد تقديم الأعمال الكلاسيكية بصورة تليق بقيمتها الفنية والتاريخية.

إن إنقاذ السينما المصرية هو في جوهره إنقاذ لجزء أصيل من ذاكرة الوطن، فالأفلام التي وثقت حياة المصريين وأحلامهم وصراعاتهم ليست مجرد أشرطة قديمة، بل وثائق إنسانية تحمل ملامح زمن مضى، وتساعد الأجيال القادمة على فهم حاضرها واستيعاب تاريخها.

فهل نتحرك لإنقاذ هذه الذاكرة قبل أن تتحول أشرطتها السينمائية إلى مجرد بقايا يصعب استعادتها؟ إن الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل، فبعض ما نفقده اليوم لن يكون بمقدورنا استعادته غدا.

مصر
هانم داود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى