عُمان وآسيا الوسطى والقوقاز.. تحالف استثماري بـ500 مليون دولار يرسم ملامح شراكة اقتصادية جديدة

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي
في ظل التحولات الجيواقتصادية المتسارعة التي تشهدها منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، يبرز تحرك جهاز الاستثمار العُماني لقيادة تحالف دولي يستهدف تأسيس صندوق استثماري بقيمة تصل إلى 500 مليون دولار، بوصفه خطوة استراتيجية تتجاوز المفهوم التقليدي لتنويع المحافظ الاستثمارية، وتعكس توجها نحو تعزيز حضور سلطنة عُمان في أسواق واعدة تتزايد أهميتها على خريطة التجارة والطاقة العالمية.
ولا يمثل هذا التحالف، المقرر توقيعه رسميا مطلع نوفمبر، مجرد اتفاق استثماري جديد، بل يحمل أبعادا اقتصادية وجيوسياسية ترتبط بموقع عُمان ودورها المحتمل كحلقة وصل بين منطقة الخليج والممرات التجارية الآسيوية، في وقت يشهد فيه العالم إعادة تشكيل مسارات التجارة وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة.
وتبرز أهمية المبادرة في أنها تنقل الدور العُماني من إطار الاستثمارات الثنائية إلى نموذج أوسع يقوم على جمع مؤسسات استثمارية دولية تحت مظلة واحدة، بما يعزز فرص الدخول إلى أسواق متعددة وتقاسم المخاطر واستقطاب رؤوس أموال إضافية.
وتضم المنطقة المستهدفة كلا من كازاخستان وأذربيجان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، التي يتجاوز عدد سكانها مجتمعة 86 مليون نسمة. كما سجلت متوسط نمو اقتصادي بلغ نحو 7% خلال عام 2025، مقارنة بنحو 3.5% على المستوى العالمي، فيما ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 16.6% لتصل إلى 4.64 مليار دولار.
وتعكس هذه المؤشرات حجم الفرص المتاحة في منطقة تزخر بالموارد الطبيعية، من النفط والغاز والذهب والنحاس واليورانيوم، فضلا عن إمكاناتها في الطاقة الكهرومائية والزراعة والصناعات التحويلية. ومن شأن الصندوق المرتقب، الذي ستتولى إدارته شركة عُمانية بقيادة كوادر وطنية، أن يفتح المجال أمام الشركات العُمانية، مثل أسياد وتنمية معادن عُمان وأوكيو، لاستكشاف فرص استثمارية في قطاعات اللوجستيات والتعدين والطاقة المتجددة والرعاية الصحية والأمن الغذائي.
ويمثل هذا التوجه فرصة لتعزيز التنويع الاقتصادي، وتوسيع نطاق أعمال المؤسسات الوطنية، وترسيخ حضور عُمان في أسواق مرشحة لمزيد من النمو والتنافس الدولي.
من الشراكات الثنائية إلى التحالفات متعددة الأطراف
لم يأت التحالف الجديد بمعزل عن مسار من العلاقات الاستثمارية التي عملت سلطنة عُمان على بنائها تدريجيا مع دول المنطقة. فقد بدأت هذه المسيرة مع أوزبكستان عام 2009، من خلال الشركة العُمانية الأوزبكية للاستثمار برأسمال بلغ 200 مليون دولار، ثم شهدت تطورا في عام 2025 عبر التعاون مع مؤسسة أذربيجان القابضة للاستثمار لتأسيس صندوق مشترك برأسمال أولي قدره 200 مليون دولار، يتقاسمه الطرفان بالتساوي.
وفي أكتوبر 2026، اتفقت السلطنة مع صندوق سامروك-خزينة الكازاخستاني على تأسيس صندوق استثماري مستهدف بقيمة 150 مليون دولار، وذلك خلال زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى كازاخستان.
أما قيرغيزستان، فقد حضرت في المباحثات التي جرت في 5 أكتوبر 2026، حيث بحث الجانبان إمكانية إنشاء صندوق استثماري تنموي مشترك يستهدف استقطاب رؤوس الأموال الخاصة إلى مشروعات في الطاقة المتجددة والسياحة والزراعة والنقل والخدمات اللوجستية والرقمنة والطيران.
ويكتسب التحالف الجديد أهمية إضافية من طبيعة المؤسسات المشاركة فيه، والتي تشمل أطرافا من الصين، من بينها مؤسسة الاستثمار الصينية وشركة شينوان هونغيوان، إلى جانب مؤسسة أوياك التركية وبنك التنمية الأوراسي وصندوق إعادة الإعمار الأوزبكي. ويتيح هذا التنوع بناء شبكة استثمارية متعددة الأطراف، وتوزيع المخاطر، والاستفادة من الخبرات والعلاقات التجارية للمؤسسات المشاركة، بما يفتح آفاقا أوسع أمام الشركات العُمانية.
أسواق متفاوتة وفرص استثمارية متعددة
تختلف المقومات الاستثمارية من دولة إلى أخرى، وهو ما يجعل نجاح الصندوق مرتبطا بقدرته على فهم خصوصية كل سوق وتحديد القطاعات الأكثر جدوى.
ففي كازاخستان، لا تقتصر عوامل الجذب على الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي، بل تمتد إلى البنية الأساسية والخدمات الرقمية، فضلا عن الدور الذي تؤديه العاصمة أستانا كمركز مالي إقليمي من خلال مركز أستانا المالي الدولي، ومكانة ألماتي باعتبارها أحد أبرز المراكز التجارية والمالية في آسيا الوسطى. كما تعزز الموانئ الكازاخستانية المطلة على بحر قزوين فرص ارتباط البلاد بشبكات التجارة العابرة للقارات.
وفي أذربيجان، تبرز أهمية الموقع الجغرافي على امتداد الممر الأوسط، إلى جانب الاستثمارات في البنية اللوجستية، وفي مقدمتها ميناء باكو بمنطقة ألات، وهي عوامل تمنح البلاد موقعا مهما في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
أما قيرغيزستان، فتبرز فيها فرص مرتبطة بالنمو الاقتصادي وتطوير العلاقات التجارية مع الأسواق المجاورة، ولا سيما أوجه الترابط الاقتصادي بين بيشكيك وألماتي، الأمر الذي يعزز أهمية الإصلاحات الإدارية وتسهيل الإجراءات وتحسين حركة الأعمال عبر الحدود.
وفي طاجيكستان، تتركز الفرص في تطوير البنية الأساسية وقطاعات الطاقة والخدمات، بما يوفر مجالات يمكن البناء عليها ضمن استراتيجية استثمارية طويلة الأجل.
وتؤكد هذه النماذج أن وفرة الموارد وحجم الأسواق لا يمثلان وحدهما ضمانة لنجاح الاستثمارات، إذ تظل كفاءة المؤسسات ووضوح التشريعات وسهولة الإجراءات واستقرار بيئة الأعمال عوامل حاسمة في تحويل الفرص النظرية إلى مشروعات منتجة. فالمستثمر لا يبحث فقط عن اتفاق يفتح أمامه أبواب السوق، وإنما عن منظومة مستقرة تضمن استمرار الأعمال وتوفر رؤية واضحة للمخاطر والعوائد.
القدرات الاستثمارية العُمانية والممر الأوسط
يستند التحالف إلى قاعدة مؤسسية واستثمارية مهمة، فقد وقعت ست مؤسسات إعلان نوايا في العاصمة الصينية بكين يوم 20 أكتوبر 2026، في خطوة تعكس اهتمام الشركاء بتأسيس إطار استثماري مشترك تقوده سلطنة عُمان.
وتعزز هذه المبادرة المكانة الاستثمارية لجهاز الاستثمار العُماني، الذي تتجاوز أصوله المدارة 23 مليار ريال عُماني، أي ما يعادل نحو 60 مليار دولار. ويوجه الجهاز قرابة ثلثي هذه الأصول إلى الاستثمارات داخل السلطنة من خلال محفظة التنمية الوطنية وصندوق عُمان المستقبل، فيما يخصص الثلث المتبقي للاستثمارات الخارجية عبر محفظة الأجيال، التي تستهدف تحقيق عوائد طويلة الأجل وتنويع المخاطر.
وتتزامن هذه الخطوة مع نمو النشاط الاقتصادي والسياحي في المنطقة، إذ بلغ عدد السياح الوافدين إلى دولها 37.36 مليون سائح خلال عام 2025، وهو ما يفتح مجالات استثمارية في البنية الأساسية والضيافة والنقل والخدمات المساندة.
وتبرز هنا أهمية الممر الأوسط، المعروف بممر النقل الدولي العابر لبحر قزوين، والذي يربط الصين بأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وتركيا. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى حاجته لاستثمارات تتجاوز 25 مليار دولار حتى عام 2040، بما يعكس حجم الفرص المرتبطة بتطوير البنية اللوجستية والنقل والتجارة العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يمكن للموانئ العُمانية، وفي مقدمتها صحار والدقم وصلالة، أن تستفيد من تنامي حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأن تعزز ارتباط المنطقة بأسواق الخليج وجنوب آسيا وشرق أفريقيا.
غير أن تحقيق هذه الاستفادة لا يرتبط بمجرد دخول الشركات العُمانية في استثمارات داخل دول المنطقة، بل يتطلب عملا متكاملا لتطوير خطوط الشحن والربط البحري، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتعزيز القدرة التنافسية من حيث التكلفة والوقت. كما يستدعي تنسيقا وثيقا بين السياسات الاستثمارية والتجارية وقطاع النقل، حتى تتحول الفرص الاستثمارية إلى تدفقات تجارية فعلية عبر الموانئ العُمانية.
الدبلوماسية الاقتصادية واختبار التنفيذ
على المستوى الاستراتيجي، يعكس الصندوق توجها عُمانيا نحو توظيف العلاقات المؤسسية في بناء شراكات اقتصادية ذات أبعاد أوسع، بما يعزز مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية ويمنح السلطنة فرصا إضافية للوصول إلى أسواق آسيا الوسطى والقوقاز.
كما يتيح التعاون مع مؤسسات صينية وتركية وأوراسية الاستفادة من خبراتها وشبكات علاقاتها مع الشركات المحلية، ويدعم حضور عُمان في منطقة تتزايد فيها المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى. ولا تقتصر المكاسب المحتملة على العوائد المالية، بل تشمل أيضا نقل المعرفة والخبرات إلى المؤسسات الوطنية، وفتح قنوات جديدة لاستقطاب الاستثمارات الدولية إلى السلطنة.
ومع ذلك، فإن الطريق أمام الصندوق لا يخلو من تحديات، أبرزها التقلبات الجيوسياسية المحتملة، وتباين أولويات المؤسسات المشاركة، وصعوبة تنسيق المصالح بين أطراف متعددة، فضلا عن ضرورة توفير منظومة حوكمة شفافة وآليات واضحة لاتخاذ القرار وتقييم المشروعات.
كما تظل مسألة تحقيق عوائد مستدامة من أهم الاختبارات التي ستواجه إدارة الصندوق، خصوصا في ظل المنافسة المتزايدة على الفرص الاستثمارية في قطاعات التعدين والطاقة والبنية الأساسية. ومن ثم، فإن نجاح المبادرة لن يقاس بحجم رأس المال المستهدف أو عدد الشركاء المشاركين فحسب، وإنما بجودة المشروعات المختارة ومدى جدواها الاقتصادية وقدرتها على تحقيق قيمة مضافة لجميع الأطراف.
في المحصلة، يضع تحالف الـ500 مليون دولار سلطنة عُمان أمام فرصة مهمة لتعزيز موقعها الاقتصادي بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز، والانتقال بالعلاقات الاستثمارية من مستوى الاتفاقيات إلى مرحلة الشراكات الإنتاجية طويلة الأجل.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح السلطنة في تحويل هذا التحالف إلى منصة استثمارية فاعلة تجعل منها حلقة وصل اقتصادية حقيقية بين هذه المناطق، أم يظل ضمن سلسلة من الاتفاقيات التي تنتظر ترجمتها إلى نتائج ملموسة؟
الإجابة لن تحددها الأرقام المعلنة وحدها، بل ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من مشروعات فعلية، واستثمارات ناجحة، وشراكات قادرة على تحقيق مصالح مشتركة. فالقيمة الحقيقية للدبلوماسية الاقتصادية لا تكمن في توقيع الاتفاقيات، وإنما في قدرتها على تحويل العلاقات إلى فرص، والفرص إلى مشروعات، والمشروعات إلى نتائج تنموية قابلة للقياس.
عبدالحميد حميد الكبي
كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان



