طاجيكستان في 2026.. نمو اقتصادي بين التفاؤل الحكومي وتحفظ المؤسسات الدولية

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي
تكشف التوقعات الاقتصادية لطاجيكستان لعام 2026 عن تباين ملحوظ في تقديرات النمو بين الحكومة والمؤسسات المالية الدولية، في فجوة لا تعكس بالضرورة اختلافًا حول الاتجاه العام للاقتصاد بقدر ما تكشف عن تباين في تقييم العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في أدائه. ومن ثم، فإن قراءة هذه التقديرات بموضوعية تتيح فهمًا أعمق لطبيعة الاقتصاد الطاجيكي وتحدياته، بدلًا من الاكتفاء بمحاولة تحديد رقم نهائي للنمو.
ووفقًا لأحدث التقديرات المتاحة، يتوقع بنك التنمية الأوراسي نمو الاقتصاد الطاجيكي بنسبة 8.3% خلال عام 2026، فيما يقدّر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية معدل النمو بنحو 7.9%، والبنك الآسيوي للتنمية بنسبة 7.3%. في المقابل، يضع البنك الدولي توقعاته عند 6.5%، وصندوق النقد الدولي عند 6%، بينما تستهدف الحكومة الطاجيكية تحقيق نمو يبلغ 8.5%.
وعلى الرغم من اتساع الفارق بين هذه التقديرات، فإنها تتفق على استمرار المسار الإيجابي للاقتصاد، وإن اختلفت في تقدير قوته ومدى تأثره بالمخاطر المحتملة. ويعكس هذا التباين اختلافًا في قراءة مصادر النمو ومدى استدامتها، لا سيما في ظل ارتباط الاقتصاد الطاجيكي بعوامل خارجية قد تؤثر في مستويات الطلب والاستثمار.
التحويلات المالية.. محرك للنمو ومصدر للمخاطر
تمثل تحويلات العاملين الطاجيك في الخارج أحد أبرز العوامل المؤثرة في النشاط الاقتصادي، خصوصًا التحويلات القادمة من روسيا. وقد شكلت هذه التدفقات، خلال السنوات الماضية، نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، وصلت وفق بعض التقديرات إلى نحو 30% أو أكثر، ما يعكس أهميتها في دعم الاستهلاك الخاص وتمويل جانب مهم من الواردات.
غير أن هذا الاعتماد يجعل الاقتصاد عرضة للتغيرات التي قد تطرأ على أوضاع الدول المستقبلة للعمالة الطاجيكية. فأي تباطؤ في الاقتصاد الروسي، أو تشديد في سياسات الهجرة والعمل، يمكن أن ينعكس على حجم التحويلات، ومن ثم على القدرة الشرائية للأسر والطلب المحلي. وفي المقابل، تراهن الحكومة على أن الاستثمارات الجارية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، ستسهم في تعزيز النشاط الاقتصادي والحد تدريجيًا من الاعتماد على هذا المصدر الخارجي للنمو.
الاستثمارات بين دفع النمو وتحديات التنفيذ
إلى جانب التحويلات، يشكل الاستثمار العام والخاص ركيزة أساسية في دعم النمو الاقتصادي الطاجيكي. وتبرز في هذا السياق مشروعات الطاقة والبنية التحتية، وفي مقدمتها مشروع محطة روجون للطاقة الكهرومائية، فضلًا عن الإنفاق الموجه إلى قطاعات النقل والصناعة، بوصفها عوامل قادرة على تحفيز النشاط الاقتصادي وتوسيع القدرات الإنتاجية.
لكن الأثر الفعلي لهذه الاستثمارات يظل مرتبطًا بقدرة الدولة على تنفيذ المشروعات وفق الجداول الزمنية المحددة، وتحقيق الكفاءة في توظيف الموارد، إلى جانب قدرة القطاع الخاص على رفع إنتاجيته وتوسيع مساهمته في الاقتصاد. فعلى الرغم من المرونة التي أظهرها الاقتصاد الطاجيكي خلال السنوات الماضية، لا يزال تنويع القاعدة الإنتاجية يمثل تحديًا رئيسيًا، في ظل الاعتماد الملحوظ للصادرات على المعادن الثمينة وبعض السلع الأولية.
نمو بين 7% و7.5%.. تقدير مشروط بالمتغيرات
في ضوء هذه المعطيات، أرى أن تحقيق معدل نمو يتراوح بين 7% و7.5% خلال عام 2026 يمثل نطاقًا واقعيًا لأداء الاقتصاد الطاجيكي. ولا يستند هذا التقدير إلى مجرد احتساب متوسط التوقعات المختلفة، بل إلى مجموعة من الشروط التي يُرجح أن تحدد مسار النمو خلال العام.
ويأتي في مقدمة هذه الشروط استمرار التحويلات المالية عند مستويات مقبولة، حتى وإن سجلت تراجعًا نسبيًا، إلى جانب تنفيذ جزء مهم من الاستثمارات المقررة دون تأخيرات كبيرة، وعدم تعرض الاقتصاد لصدمة خارجية حادة تؤثر في أسعار الطاقة أو سلاسل التوريد.
وفي حال توافرت هذه الظروف، فقد يقترب الأداء الاقتصادي من تقديرات المؤسسات الأكثر تفاؤلًا. أما إذا تراجعت التحويلات بوتيرة أكبر، أو واجهت المشروعات الاستثمارية تأخيرات مؤثرة، فمن المرجح أن يميل النمو نحو التقديرات الأكثر تحفظًا. ومن هنا، فإن الحكم على المسار الاقتصادي لا يرتبط بالتوقعات المعلنة وحدها، بل بمدى تحقق الافتراضات التي تستند إليها.
تنويع الإنتاج.. الطريق إلى نمو أكثر استدامة
لا تقتصر الفرصة الاقتصادية أمام طاجيكستان على تحقيق معدل نمو مرتفع في عام واحد، بل تتمثل في تحويل الزخم الحالي إلى قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا وقدرة على الاستمرار. ويتطلب ذلك تطوير الصناعات المحلية المرتبطة بالمعادن، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز قدرة القطاع الخاص على الاستثمار ورفع الإنتاجية، بما يتيح خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.
كما أن تطوير سلاسل القيمة المحلية يمكن أن يسهم في توسيع فرص العمل وتعزيز الصادرات وتقليل الاعتماد التدريجي على التحويلات المالية بوصفها أحد المحركات الرئيسية للاستهلاك. فكلما ازدادت قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات وتطوير الصناعات المحلية، أصبح النمو أقل ارتباطًا بالتقلبات الخارجية وأكثر استنادًا إلى عوامل داخلية قابلة للتطوير.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية السياسات التي تدعم الاستثمار المنتج، وتوفر بيئة أكثر جاذبية للأعمال، وتساعد على توسيع مساهمة القطاعات غير التقليدية في الناتج المحلي الإجمالي. فاستدامة النمو لا تتحقق بزيادة الإنفاق والاستثمار وحدهما، وإنما بقدرة هذه الاستثمارات على تعزيز الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل.
بين التفاؤل والحذر.. ما وراء أرقام النمو
في المحصلة، تعكس الفجوة بين توقعات النمو الاقتصادي لطاجيكستان في عام 2026 اقتصادًا يمتلك زخمًا إيجابيًا واضحًا، لكنه لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالتنويع الإنتاجي والاعتماد على التدفقات المالية الخارجية وكفاءة تنفيذ الاستثمارات.
وبينما تظل نسبة النمو النهائية مؤشرًا مهمًا لقياس الأداء الاقتصادي، فإن السؤال الأهم يتمثل في مدى قدرة هذا النمو على تأسيس مرحلة أكثر استدامة، وأقل تعرضًا للصدمات الخارجية، وأكثر اعتمادًا على الإنتاج المحلي.
ومن هذا المنطلق، تقتضي المقاربة الواقعية متابعة تطورات التحويلات المالية والاستثمارات والإنتاجية عن كثب، مع العمل على تعزيز مرونة الاقتصاد وتنويع مصادر نموه، دون الإفراط في التفاؤل بتقدير واحد أو التقليل من أهمية المؤشرات الإيجابية. فالتحدي الحقيقي أمام طاجيكستان لا يتمثل في تحقيق نمو مرتفع فحسب، بل في تحويله إلى تنمية اقتصادية أكثر توازنًا واستدامة.
عبدالحميد حميد الكبي
كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان.



