آراء

من بحر قزوين إلى بحر العرب.. كيف تعيد عُمان وكازاخستان رسم خريطة التجارة؟

بقلم : عبدالحميد حميد الكبي

Advertisement

في الخامس من أكتوبر، وصل السلطان هيثم بن طارق آل سعيد إلى أستانا، في أول زيارة رسمية يقوم بها سلطان عُماني إلى كازاخستان وإلى منطقة آسيا الوسطى عموماً. ولم تكن الزيارة مجرد محطة بروتوكولية في مسار العلاقات الثنائية، بل بدت كخطوة نحو إعادة تعريف المسافة الجغرافية بين البلدين باعتبارها فرصة استراتيجية يمكن البناء عليها.

فكازاخستان تبحث عن منافذ جديدة نحو الخليج والمحيط الهندي، فيما تنظر عُمان إلى موقع كازاخستان في قلب القارة الآسيوية باعتباره بوابة يمكن أن تربطها بالصين وأوروبا عبر شبكة من الممرات البرية والبحرية. ومن هنا تبرز أهمية التقارب بين بلدين يقعان على طرفي أوراسيا، لكن مصالحهما الاقتصادية واللوجستية تتقاطع بصورة متزايدة.

Advertisement

وتأتي الزيارة بعد سلسلة من الاتصالات رفيعة المستوى جرى بناؤها بهدوء خلال العامين الماضيين. ففي فبراير 2025، زار وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي أستانا، في زيارة تناولت ملفات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والزراعة. وفي أعقاب ذلك، ارتفع عدد الزوار الكازاخستانيين إلى سلطنة عُمان بنسبة 37% ليصل إلى نحو 21 ألفاً، ما دفع مسقط إلى اعتماد نظام الإعفاء من التأشيرة لمدة 30 يوماً.

وفي أبريل 2026، استقبل الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف نائب رئيس الوزراء العُماني للشؤون الاقتصادية السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، بالتزامن مع بدء مباحثات بين صندوق الثروة السيادي الكازاخستاني «سامروك كازينا» وهيئة الاستثمار العُمانية حول إنشاء منصة استثمارية مشتركة. وتضم المحفظة الاستثمارية القائمة خمسة مشاريع بقيمة تصل إلى ثلاثة مليارات دولار، من بينها مشروعان بقيمة 1.1 مليار دولار في قطاعي الطاقة والسكك الحديدية.

بحر

ويبدو أن النقل والخدمات اللوجستية يشكلان العمود الفقري الأكثر وضوحاً للشراكة المحتملة بين البلدين. فكازاخستان تمتلك موانئ أكتاو وكوريك على بحر قزوين، إلى جانب شبكة واسعة من السكك الحديدية، بينما تمتلك عُمان موانئ عميقة على بحر العرب والمحيط الهندي، بما يوفر تكاملاً جغرافياً يمكن تحويله إلى ميزة تجارية.

ويستغرق العبور من الصين إلى أوروبا عبر كازاخستان نحو 18 إلى 19 يوماً، في حين قد تمتد المدة عبر قناة السويس إلى 45–60 يوماً في ظل الاضطرابات التي تشهدها بعض طرق الملاحة الدولية. وهذا الفارق الزمني لا يمثل مجرد مسألة فنية في قطاع النقل، بل يمكن أن يتحول إلى عامل اقتصادي مؤثر، خصوصاً مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية والحاجة إلى تنويع الممرات التجارية وتقليل الاعتماد على مسار واحد.

وخلال اليوم الثاني من زيارة السلطان، وقع الجانبان حزمة من الاتفاقيات شملت اتفاقية حكومية لتعزيز وحماية الاستثمارات المتبادلة، واتفاقية للخدمات الجوية، واتفاقية لإنشاء مجلس أعمال مشترك، إلى جانب اتفاقية لإنشاء صندوق استثماري مشترك بين «سامروك كازينا» وهيئة الاستثمار العُمانية، فضلاً عن اتفاق يحدد شروط وجود بنك التنمية الأوراسي في سلطنة عُمان.

وأكد البيان المشترك الذي اعتمده الجانبان أن التعاون المستقبلي يتركز على قطاعات الطاقة والنقل والزراعة والتقنيات الرقمية والتعليم والسياحة، بما يعكس اتساع نطاق العلاقة من التعاون الاقتصادي التقليدي إلى مجالات ترتبط بالتحول الاقتصادي والتكنولوجي.

وفي منتدى الأعمال الذي عُقد بالتوازي في مركز أستانا المالي الدولي، شدد الرئيس توكاييف على أهمية وجود إطار قانوني ومؤسسي أكثر قوة لحماية المستثمرين وتعزيز الشفافية، داعياً إلى الانتقال من الاتفاقيات السياسية إلى مشروعات عملية قابلة للتنفيذ. كما وصف سلطنة عُمان بأنها شريك لوجستي مهم بفضل موقعها وموانئها، في حين أشار إلى قدرة كازاخستان، بما تمتلكه من أراضٍ زراعية واسعة، على أن تكون شريكاً في مجال الأمن الغذائي لدول الخليج.

بحر

ومن جانبه، أشار السلطان هيثم إلى الفرص التي تراها سلطنة عُمان في قطاعات الطاقة والتعدين والزراعة والنقل والخدمات المالية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، داعياً إلى تطوير ممر تجاري يمر عبر الموانئ العُمانية وتعزيز الربط الجوي المباشر بين البلدين.

وما يميز هذه الزيارة أيضاً أنها لم تتوقف عند القطاعات الاقتصادية التقليدية. ففي أغسطس الماضي، تناولت الجولة الثانية من المشاورات السياسية بين البلدين مشاريع مشتركة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة، فيما عرض المسؤولون الكازاخستانيون على الوفود العُمانية نماذج ومشاريع مثل «Alem.ai» و«Astana Hub».

ويأتي هذا الانفتاح على الاقتصاد الرقمي في سياق يتقاطع مع توجهات رؤية عُمان 2040 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز القطاعات غير النفطية، ومع طموح كازاخستان لتطوير موقعها كمركز رقمي وتقني في آسيا الوسطى.

أستانا.. عاصمة القرار وبوابة آسيا الوسطى

أستانا ليست مجرد عاصمة إدارية لكازاخستان، بل أصبحت مركزاً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً في آسيا الوسطى. ومن هذا المنطلق، فإن اختيار السلطان هيثم أن تكون أستانا محطة زيارته الأولى إلى المنطقة يحمل دلالة تتجاوز البعد البروتوكولي، إذ يعكس أهمية كازاخستان في الحسابات الاقتصادية واللوجستية العُمانية تجاه آسيا الوسطى.

وتستحوذ كازاخستان على أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة آسيا الوسطى مجتمعة، وهو ما يمنحها ثقلاً اقتصادياً يجعل أستانا نقطة ارتكاز طبيعية للحوار الاقتصادي مع دول المنطقة.

لكن أهمية العاصمة الكازاخستانية لا تتوقف عند حجم الاقتصاد. فقد نجحت خلال ربع قرن في بناء منظومة مؤسسية حديثة، وتبني سياسة خارجية متعددة المحاور، إلى جانب تطوير مركز أستانا المالي الدولي، الذي يعمل وفق قواعد مستمدة من القانون الإنجليزي ويوفر منصة للتعامل مع أسواق رأس المال والاستثمارات الدولية.

ولهذا فإن مشاركة السلطان هيثم في منتدى الأعمال المنعقد في مركز أستانا المالي الدولي يمكن قراءتها في إطار أوسع من مجرد مناسبة اقتصادية؛ فهي تعكس اهتمام مسقط بإمكانات أستانا كمركز مالي ولوجستي يمكن أن يربط المستثمرين العُمانيين والأسواق الخليجية بالفرص المتاحة في آسيا الوسطى.

كما رسخت أستانا حضورها كمنصة للحوار الدبلوماسي في المنطقة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع القوى الدولية والإقليمية. وتستضيف العاصمة بصورة منتظمة لقاءات وقمم قادة آسيا الوسطى، وتتحرك ضمن شبكة معقدة من العلاقات مع الصين وروسيا والغرب، بما يمنحها مساحة واسعة للتحرك الاقتصادي والدبلوماسي.

وتكتسب الجغرافيا أهمية إضافية في هذا السياق. فكازاخستان تقع في قلب الممرات البرية التي تربط الصين بأوروبا، وتمتلك موانئ على بحر قزوين وشبكة سكك حديدية واسعة، بينما تمتلك عُمان منافذ بحرية مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي، فضلاً عن موقعها القريب من طرق التجارة بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.

ومن شأن الجمع بين الموقعين أن يفتح مجالاً لإنشاء سلسلة لوجستية تمتد من بحر قزوين إلى بحر العرب، بما يتيح للبلدين الاستفادة من التحولات التي يشهدها قطاع النقل العالمي، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجه بعض الممرات التقليدية.

واللافت أن أستانا لا تراهن فقط على موقعها الجغرافي، بل تعمل على تطوير قطاعات الرقمنة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والزراعة الحديثة، وهي مجالات تتقاطع بدرجات مختلفة مع الأولويات التي تطرحها رؤية عُمان 2040. وبالتالي، فإن الحديث عن التكنولوجيا والأمن الغذائي والصناديق الاستثمارية لا يأتي منفصلاً عن منظومة اقتصادية ومؤسسية يسعى البلدان إلى تطويرها.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه الشراكة سيظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على الانتقال من مرحلة الاتفاقيات إلى مرحلة التنفيذ. فالاتفاقيات الموقعة توفر الإطار القانوني والمؤسسي، لكنها تحتاج إلى تمويل فعلي، ومشاريع محددة، وآليات متابعة تضمن تحويل التفاهمات إلى نتائج ملموسة.

كما أن المنافسة على الممرات اللوجستية في أوراسيا شديدة، فيما تمتلك الصناديق السيادية والمستثمرون خيارات متعددة. ومن ثم، فإن اختبار نجاح الشراكة العُمانية الكازاخستانية لن يكون في عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وإنما في القدرة على إطلاق مشاريع لوجستية قابلة للتشغيل، وتعزيز الربط الجوي المباشر، واستقطاب الاستثمارات العُمانية إلى القطاعات الزراعية والرقمية والطاقة في كازاخستان، بالتوازي مع فتح المجال أمام الاستثمارات الكازاخستانية في سلطنة عُمان.

في النهاية، فتحت الزيارة الأولى للسلطان هيثم بن طارق إلى أستانا نافذة جديدة في علاقة لم تكن غائبة، لكنها ظلت محدودة مقارنة بالإمكانات المتاحة. واليوم تبدو الفرصة أكبر أمام البلدين لتحويل التقارب السياسي إلى شراكة اقتصادية أكثر اتساعاً.

فالمسافة بين بحر قزوين وبحر العرب لم تعد بالضرورة عائقاً جغرافياً، بل يمكن أن تتحول إلى مساحة للتكامل إذا نجح الطرفان في ملئها بالمشاريع والاستثمارات وشبكات النقل، بدلاً من الاكتفاء بالخطابات والاتفاقيات. وفي هذا المسار، تبدو أستانا بوابة مهمة لمن يريد بناء حضور اقتصادي أكثر اتساعاً في آسيا الوسطى، بينما تمثل الموانئ العُمانية منفذاً طبيعياً يمكن أن يمنح هذا الحضور امتداداً نحو الخليج والمحيط الهندي.

عبدالحميد حميد الكبي

كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى