آراء

تحويل النوافذ إلى المصارف الإسلامية

بقلم : د. حيدر بن عبدالرضا اللواتي

Advertisement

شهد القطاع المصرفي في سلطنة عُمان تطورًا متسارعًا منذ تأسيس البنك المركزي العُماني في مطلع سبعينيات القرن الماضي، واستطاع خلال العقود الماضية أن يواكب المتغيرات الاقتصادية والمالية العالمية عبر تحديث التشريعات، وتعزيز الرقابة، وتطوير الخدمات المصرفية. ومن أبرز المحطات التي أسهمت في تنويع هذا القطاع وتعزيز قدرته التنافسية انطلاق الصيرفة الإسلامية عام 2012، والتي مثلت إضافة نوعية للمنظومة المالية الوطنية، رغم أن السلطنة كانت آخر دول مجلس التعاون الخليجي في تبني هذا النموذج المصرفي.

وقد أثبتت التجربة العُمانية نجاحها منذ بدايتها، بفضل اعتمادها على إطار تشريعي ورقابي متكامل، يقوم على التوازن بين الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، وتطبيق أفضل الممارسات المصرفية الدولية. وأصبح قطاع الصيرفة الإسلامية اليوم أحد المكونات الرئيسة للقطاع المالي، بعد أن حقق نموًا متواصلًا في حجم الأصول، والتمويل، وعدد العملاء. وفي هذا السياق، يأتي قرار البنك المركزي العُماني بتحويل النوافذ الإسلامية التابعة للبنوك التقليدية إلى مصارف إسلامية مستقلة، استنادًا إلى قانون البنوك الجديد الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (2/2025)، ليشكل محطة جديدة في مسيرة تطوير القطاع المصرفي. فهذا التحول لا يقتصر على تغيير الهيكل التنظيمي، وإنما يؤسس لمرحلة أكثر نضجًا واستقلالية للصيرفة الإسلامية، بما يعزز قدرتها على المنافسة والنمو المستدام.

Advertisement

ويقضي النظام الجديد بالسماح للبنوك التقليدية بتأسيس شركات مصرفية إسلامية مملوكة لها بالكامل، مع الفصل الكامل بين الأصول والالتزامات، والقوائم المالية، وأنظمة الحوكمة، والبنية التقنية والإدارية. ويُنتظر أن يؤدي ذلك إلى رفع مستويات الشفافية، وتعزيز كفاءة الرقابة، وترسيخ الثقة في المنتجات والخدمات المالية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. وقد لعبت المصارف الإسلامية منذ إنشائها دورًا مهمًا في توسيع نطاق الشمول المالي، من خلال توفير بديل مصرفي لشريحة من المواطنين والمقيمين الذين كانوا يفضلون عدم التعامل مع البنوك التقليدية. كما توسعت منتجاتها لتشمل مختلف أنواع التمويل، والاستثمار، والادخار، بما يلبي احتياجات الأفراد والشركات وفق صيغ تمويلية تتوافق مع الضوابط الشرعية.

وفي الجانب التنموي، أصبحت المصارف الإسلامية شريكًا فاعلًا في تمويل مختلف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والمشروعات الصناعية والتجارية، ومشروعات البنية الأساسية، فضلًا عن مساهمتها في تنشيط سوق رأس المال من خلال إصدارات الصكوك الإسلامية، التي أصبحت تمثل إحدى الأدوات التمويلية المهمة للحكومة والشركات منذ إصدار أول صكوك سيادية في السلطنة عام 2015. وتؤكد المؤشرات المالية نجاح هذه التجربة؛ إذ بلغت أصول الصيرفة الإسلامية نحو 9.16 مليار ريال عُماني بنهاية عام 2025، بما يعادل نحو 20% من إجمالي أصول القطاع المصرفي، مع انتشار ما يقارب مائة فرع في مختلف محافظات السلطنة. وتعكس هذه الأرقام التحول الكبير الذي شهدته الصيرفة الإسلامية، بعدما انتقلت من نشاط مصرفي ناشئ إلى ركيزة أساسية ضمن النظام المالي العُماني.

كما أسهم وجود المصارف الإسلامية في رفع مستوى المنافسة داخل القطاع المصرفي، الأمر الذي انعكس إيجابًا على جودة الخدمات، وتسريع التحول الرقمي، وابتكار منتجات مالية جديدة، وتحسين تجربة العملاء، بما وفر خيارات أوسع أمام المستفيدين، ورسخ مكانة السلطنة كمركز مالي يواكب أحدث التطورات في الصناعة المصرفية. وتتزايد ثقة العملاء بالمصارف الإسلامية عامًا بعد آخر، ليس فقط لدوافع دينية، وإنما أيضًا لما تتميز به من وضوح في العقود، وشفافية في آليات التمويل، وإطار رقابي وتشريعي متين. كما أن إقبال عدد متزايد من المقيمين على خدماتها يؤكد أن جاذبية الصيرفة الإسلامية أصبحت تستند كذلك إلى الكفاءة، والتنافسية، وجودة الخدمة. ومن المتوقع أن يسهم تحويل النوافذ الإسلامية إلى مصارف مستقلة في استقطاب مزيد من الاستثمارات، وتعزيز الابتكار في المنتجات المالية، ورفع كفاءة إدارة المخاطر، وتوسيع قدرة المصارف الإسلامية على تمويل المشروعات الكبرى، ولا سيما تلك المرتبطة برؤية “عُمان 2040″، بما يدعم جهود تنويع الاقتصاد الوطني، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.

إن هذا التحول يمثل أكثر من مجرد تعديل تنظيمي؛ فهو خطوة استراتيجية تعكس نضج قطاع الصيرفة الإسلامية في سلطنة عُمان، وتعزز مكانته باعتباره شريكًا رئيسًا في التنمية الاقتصادية. ومن خلال تكامل أدوار المصارف الإسلامية والتقليدية، سيكون القطاع المصرفي العُماني أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية، وأكثر جاهزية لمواصلة تحقيق النمو، وتعزيز الاستقرار المالي، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني على المستويين الإقليمي والدولي. ولا شك أن أثر تحويل النوافذ الإسلامية إلى مصارف مستقلة سيعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية الإسلامية، ولا سيما من دول الخليج، وماليزيا، وإندونيسيا، وسوف يزيد دوره في ترسيخ مكانة سلطنة عُمان كمركز إقليمي للصيرفة الإسلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى