آراء

الفلكلور الرقمي.. هل يمكن لـ”الخمسة وخميسة” أن تعيش في عصر الخوارزميات؟

بقلم: هانم داود

Advertisement

بينما تسير في شوارع القاهرة المزدحمة، قد تلمح شاباً يرتدي قميصاً بتصميم عصري مطرزاً بوحدات من التلي الأسيوطي، أو تجد فتاة تضع إيموجي الكف الزرقاء “الخمسة وخميسة” في وصف حسابها على “إنستجرام”. هذا المشهد يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الفن الشعبي مجرد قطعة تراثية نحتفظ بها في المتاحف، أم أنه كائن حي يتنفس عبر القصص الرقمية “الستوريز” والترندات؟

إن إنقاذ الفنون الشعبية من جمود الذاكرة لا يعني حبسها بين صفحات الكتب أو داخل قاعات العرض، بل منحها فرصة للتفاعل مع الواقع المعاصر، لتتحول من مجرد ذكرى إلى ممارسة ثقافية يومية تتطور مع تطور التكنولوجيا.

Advertisement

الفلكلور.. فعل مقاومة لا مجرد زينة

تاريخياً، لم يكن الفن الشعبي المصري يوماً وسيلة للرفاهية أو الديكور فقط، بل كان مرآة للوعي الجمعي، يفرغ الناس من خلاله آلامهم وآمالهم في رموز بصرية وسمعية.

فالوشم على أيدي الفلاحات لم يكن للزينة وحدها، بل حمل في كثير من الأحيان دلالات عقائدية وشعبية، وربما علاجية أيضاً. كما أن المواويل التي صدحت بها حناجر العمال في الحقول لم تكن مجرد أغانٍ، بل كانت صرخة في وجه الظلم، أو تعبيراً صادقاً عن الحنين ولوعة الفراق.

أما السير الشعبية، مثل سيرة بني هلال، فلم تُروَ للتسلية فحسب، وإنما كانت وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية وصناعة نموذج للبطل الشعبي القادر على مواجهة التحديات.

لهذا، فإن النظر إلى الفلكلور اليوم يجب أن ينطلق من كونه “فعل مقاومة”؛ مقاومة للنمطية، ومقاومة للذوبان في العولمة الثقافية التي تسعى إلى جعل العالم نسخة متشابهة.

الفلكلور يتحرك في الشارع الرقمي

اليوم، انتقل الميدان من الحارة إلى الشاشة. فلم يعد الموال الشعبي حكراً على المقاهي القديمة، بل أعاد صناع المحتوى على “تيك توك” و”إنستجرام” تقديمه بصيغ جديدة. ونشاهد شباباً يمزجون رقصات التحطيب الصعيدية بموسيقى “التراب”، أو يوظفون إيقاعات الزار في أعمال بصرية حديثة.

هذا النوع من إعادة التدوير الثقافي هو ما يمنح الفن الشعبي حياة جديدة. فحتى الخوارزميات، رغم طبيعتها التقنية البحتة، أصبحت أداة لنشر الهوية البصرية المصرية إلى جمهور عالمي.

ولم تعد الوحدات الزخرفية، مثل العصفورة والعروسة والنخلة، حبيسة السجاد اليدوي أو المشغولات التقليدية، بل وجدت طريقها إلى بيوت الأزياء العالمية، حيث استلهم منها عدد من المصممين تصاميم تعيد تقديم الروح المصرية بلغة بصرية معاصرة.

بين التذكار السياحي والإبداع الرصين

هنا تبرز إشكالية مهمة: ما الفرق بين تحويل الفلكلور إلى تذكار سياحي يباع في المتاجر، وبين توظيفه في الفنون المعاصرة بصورة أصيلة؟

فالتذكار السياحي غالباً ما يتعامل مع الفلكلور بوصفه شكلاً خارجياً، يكرر الرموز بصورة جامدة تفقدها معناها، لتتحول إلى موضة مؤقتة سرعان ما تنتهي.

أما الدمج الرصين، فهو يقوم على استيعاب فلسفة الفن الشعبي، وليس الاكتفاء باستنساخ أشكاله.

فعلى سبيل المثال، هناك فرق موسيقية مصرية معاصرة تمزج بين موسيقى الزار والروك، دون أن تقلد الزار التقليدي، بل تستثمر طاقته الإيقاعية والروحية لإنتاج تجربة موسيقية جديدة.

كما نجح المصمم المصري العالمي مهند كوجاك في إعادة توظيف التلي الأسيوطي بروح عصرية، محولاً إياه من زي تقليدي إلى عنصر إبداعي ينافس في أبرز منصات الأزياء العالمية.

كيف نحافظ على روح الفن الشعبي؟

للحفاظ على الفلكلور من الجمود أو التسليع، ينبغي تبني رؤية تؤمن بأن الفلكلور الذي لا يتطور يتحول مع الزمن إلى إرث ساكن. فالهوية ليست صخرة جامدة، بل نهر متجدد.

ويبدأ ذلك بالاستلهام بدلاً من التقليد، عبر فهم فلسفة الفنان الشعبي وطريقته في تبسيط الأشكال وإعادة توظيفها، ثم تطويرها بما يتلاءم مع أدوات العصر.

كما يمكن توظيف التكنولوجيا، مثل الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي، لإحياء الحكايات الشعبية والزخارف التقليدية في تجارب تفاعلية تجذب الأجيال الجديدة.

ويظل التعليم الفني أحد أهم المفاتيح، من خلال دمج دراسات الهوية البصرية في المناهج، ليعرف المصمم الشاب أن “الخمسة وخميسة” ليست مجرد تميمة شعبية، بل رمز بصري غني بالدلالات الجمالية والهندسية.

دعوة إلى المبدعين

الفن الشعبي المصري منجم ثري لم يُستثمر إلا بجزء يسير من إمكاناته. ونحن بحاجة إلى مصممين، وموسيقيين، ومبرمجي ألعاب، وصناع أفلام، ينظرون إلى الواحة والريف والحارة المصرية باعتبارها مصادر للإلهام البصري والفلسفي، لا مجرد أماكن للتصوير.

ويبقى السؤال مطروحاً: هل ستظل “الخمسة وخميسة” مجرد أثر من الماضي، أم ستتحول إلى رمز بصري نابض بالحياة في العصر الرقمي؟

إن الفلكلور ليس مجرد تراث نحتفظ به، بل هو أحد أهم عناصر تميزنا الثقافي، والجسر الذي يصل بين جذورنا الراسخة في الأرض وطموحاتنا التي تمتد إلى آفاق المستقبل في عصر الذكاء الاصطناعي.

الفلكلور
هانم داود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى