وزير الخارجية في “لوموند”: أمن الخليج يتطلب الإدماج الإقليمي وإنهاء سياسة الاحتواء

باريس : هرمز نيوز
أكد معالي السّيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، أن الحرب الأخيرة على إيران كشفت الحاجة الملحّة إلى إعادة بناء المنظومة الأمنية في منطقة الخليج على أسس جديدة، تقوم على الإدماج الإقليمي والتعاون بين جميع دول المنطقة، بدلاً من سياسة الاحتواء التي هيمنت على المشهد الأمني طوال العقود الماضية، مشددًا على أن الأمن المستدام لا يمكن تحقيقه عبر الإقصاء أو الاعتماد على ترتيبات خارجية.
وأوضح معاليه، في مقال نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية، أن شعوب سلطنة عُمان ودول الخليج لا تزال تتحمل تبعات حرب كان بالإمكان تجنبها، معربًا عن تطلعه إلى أن تشكل المرحلة الراهنة بداية لمسار ينهي الصراع بصورة دائمة، وليس مجرد هدنة مؤقتة قد تعيد المنطقة إلى دائرة التوتر في أي وقت.
وأشار إلى أن من أبرز الأولويات المطروحة حاليًا وضع إطار مستدام يكفل حرية الملاحة في مضيق هرمز، لافتًا إلى المسؤولية الخاصة التي تضطلع بها سلطنة عُمان، إلى جانب إيران، باعتبارهما الدولتين اللتين تطلان بمياههما الإقليمية على المضيق.
وأكد أن ضمان أمن الملاحة يتطلب تعاونًا وثيقًا بين سلطنة عُمان وإيران والمجتمع الدولي، بهدف وضع ترتيبات عملية ومستدامة تتوافق مع أحكام القانون الدولي، بما يحفظ انسيابية حركة السفن في أحد أهم الممرات البحرية الحيوية للتجارة العالمية.
وثمّن وزير الخارجية الدور الذي تؤديه فرنسا في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدًا في الوقت ذاته أن معالجة هذا الملف ينبغي أن تندرج ضمن رؤية استراتيجية أشمل تشمل أمن الخليج والممرات البحرية المرتبطة به.
ورأى معاليه أن المنظومة الأمنية التي تشكلت في الخليج منذ عام 1979 بُنيت على افتراض اعتبار إيران تهديدًا وجوديًا للمنطقة وللمصالح الغربية، معتبرًا أن هذا التصور أثبت عدم جدواه، ولم ينجح في تحقيق الأمن والاستقرار المنشودين.
وأضاف أن العقود الماضية شهدت إنفاقًا عسكريًا ضخمًا وتوسعًا في الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة، إلى جانب الاعتماد على الحماية الخارجية، إلا أن تلك السياسات لم تمنع اندلاع الأزمات والحروب، ولم تؤسس لمنظومة أمنية مستدامة.
وأكد أن الحرب الأخيرة كشفت محدودية سياسة الاحتواء، مشيرًا إلى أن مصادر التهديد لأمن الخليج كثيرًا ما تنبع من قرارات تُتخذ خارج المنطقة، ولا سيما من تل أبيب.
ودعا إلى إعادة بناء النظام الأمني الخليجي على أسس جديدة تضم جميع الدول الثماني المطلة على الخليج، وهي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إضافة إلى إيران والعراق، مؤكدًا أن استبعاد أي طرف لن يسهم في تحقيق الأمن الجماعي.
وأوضح أن لكل دولة من هذه الدول مصالحها ومسؤولياتها، الأمر الذي يفرض مشاركتها جميعًا في صياغة النظام الأمني الجديد، وتنفيذه، والالتزام بمقتضياته، بما يرسخ مفهوم المسؤولية المشتركة عن أمن المنطقة.
وأشار إلى أن هذا التحول يتطلب حوارًا صريحًا وإعادة تقييم للمسلمات التي حكمت العلاقات الإقليمية والدولية لعقود، بهدف التمييز بين الشراكات التي تعزز أمن الخليج وتلك التي قد تخلق بؤرًا جديدة للتوتر.
كما دعا إلى مراجعة متوازنة للعلاقات مع الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، مؤكدًا أن الهدف ليس التخلي عن العلاقات التاريخية، وإنما إعادة صياغتها بما ينسجم مع المتغيرات الاستراتيجية التي أفرزتها الحرب، متسائلًا عن الدور الذي يمكن أن تؤديه الدول الصديقة في دعم نهج الإدماج الإقليمي بدلًا من سياسة الاحتواء.
وشدد معاليه على أن أمن الخليج يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن شمال غرب المحيط الهندي ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، باعتبارها ممرات بحرية حيوية للاقتصاد العالمي، مؤكدًا أن إنشاء إطار قانوني وعملي لحماية التجارة والملاحة سيعود بالنفع على شعوب المنطقة ويعزز الاستقرار والازدهار.
وفي ختام مقاله، وصف وزير الخارجية الحرب بأنها “كارثة” اندلعت من دون تفويض من الأمم المتحدة، ولم تحقق الأهداف التي رُفعت لتبريرها، معربًا عن أمله في أن تمثل تداعياتها نقطة تحول تنهي سياسة الاحتواء التي استمرت قرابة خمسة عقود، وتمهد الطريق أمام نظام أمني خليجي أكثر عدالة وواقعية وفاعلية.



