مستقبل الاقتصاد الإبداعي في ظل الذكاء الاصطناعي

بقلم: حمزة بن علي عيدروس
يشهد العالم اليوم تحولات اقتصادية متسارعة تقودها التكنولوجيا والابتكار، وفي مقدمة هذه التحولات يبرز الاقتصاد الإبداعي، أو ما يُعرف بالاقتصاد البرتقالي، بوصفه أحد أهم النماذج الاقتصادية الحديثة القائمة على المعرفة والأفكار والمهارات الإبداعية. ويعتمد هذا الاقتصاد على تحويل الطاقات الفكرية والثقافية إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة، بما يسهم في تحقيق النمو الاقتصادي وتعزيز التنمية المستدامة.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن الاقتصاد الإبداعي يساهم بنسبة تتراوح بين 3 و7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما يوفر ما يقارب 50 مليون فرصة عمل حول العالم، ويستقطب شريحة واسعة من الشباب، لا سيما الفئة العمرية بين 15 و29 عامًا، ما يجعله أحد أكثر القطاعات قدرة على استيعاب الطاقات البشرية وتنمية المواهب.
ويستند الاقتصاد الإبداعي إلى مبدأ أساسي يتمثل في اعتبار الإبداع البشري أصلًا اقتصاديًا منتجًا للقيمة، بدلاً من الاعتماد الحصري على الموارد الطبيعية. ومن هنا تنوعت مجالاته لتشمل الفنون، والتصميم، والأزياء، والإعلان، والسينما، والموسيقى، وألعاب الفيديو، والنشر، والبرمجيات، وغيرها من الصناعات القائمة على الابتكار والمعرفة.
ومع التطور المتسارع في التقنيات الرقمية، أصبح التحول الرقمي عنصرًا محوريًا في نمو الاقتصاد الإبداعي، إذ أتاحت التكنولوجيا للمبدعين الوصول إلى جمهور عالمي وتسويق منتجاتهم وخدماتهم بصورة غير مسبوقة. كما أسهم الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق جديدة للإبداع والإنتاج، من خلال توفير أدوات متقدمة تدعم الابتكار وترفع كفاءة العمل في مختلف المجالات الإبداعية.
ويُعرف الاقتصاد البرتقالي بأنه الاقتصاد الذي يربط بين الثقافة وريادة الأعمال، ويعزز من توظيف التراث الثقافي والإبداع الفني في بناء مشاريع اقتصادية مستدامة. لذلك أصبح هذا النموذج أحد المحركات الاستراتيجية لتنويع الاقتصادات الوطنية، وتعزيز الهوية الثقافية، وخلق فرص عمل مستدامة قادرة على مواكبة متطلبات المستقبل.
ولا تقتصر أهمية الاقتصاد الإبداعي على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى دوره في تعزيز الهوية الوطنية والمحافظة على الموروث الثقافي، حيث يتيح تحويل الأصول الثقافية والفكرية إلى موارد اقتصادية تسهم في التنمية الشاملة. كما أنه يمثل أحد القطاعات الأقل تأثيرًا على البيئة مقارنة بالقطاعات الصناعية التقليدية، ما يجعله متوافقًا مع أهداف التنمية المستدامة.
وفي المقابل، يفرض الذكاء الاصطناعي تحديات جديدة على الاقتصاد الإبداعي، أبرزها كيفية المحافظة على الميزة التنافسية للإنسان في مواجهة قدرات الآلة المتنامية. ورغم أن التقنيات الذكية أصبحت قادرة على إنتاج محتوى إبداعي في مجالات متعددة، فإن العنصر البشري لا يزال يمثل المصدر الأساسي للأفكار الأصيلة والرؤى المبتكرة والقيم الثقافية التي تمنح المنتج الإبداعي خصوصيته وتميزه.
وتتجلى أهمية الاقتصاد الإبداعي أيضًا في دوره في تعزيز الابتكار والتنافسية، إذ يشجع على تطوير حلول جديدة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ويسهم في تحسين جودة المنتجات والخدمات وزيادة قدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية. كما يخلق فرص عمل متنوعة لا تقتصر على الفنانين والمبدعين، بل تمتد إلى مجالات الإدارة والتسويق والتقنية والخدمات المساندة.
وقد قدمت العديد من الدول تجارب ناجحة في هذا المجال. فالمملكة المتحدة تعد من أبرز النماذج العالمية، حيث أسهم الاقتصاد الإبداعي بشكل ملموس في دعم الاقتصاد الوطني، مستفيدًا من المكانة العالمية التي تتمتع بها لندن كمركز للفنون والثقافة والإعلام. كما نجحت كوريا الجنوبية في توظيف الثقافة الشعبية والصناعات الإبداعية لتعزيز حضورها الدولي وزيادة عوائدها الاقتصادية، فيما برزت أستراليا كنموذج آخر استطاع توظيف الصناعات الإبداعية في دعم النمو الاقتصادي وترسيخ مكانتها الثقافية عالميًا.
وفي سلطنة عُمان، يحظى الاقتصاد الإبداعي باهتمام متزايد في إطار الجهود الرامية إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط. وتمثل الصناعات الثقافية والإبداعية إحدى الأدوات الفاعلة لتحقيق هذه الأهداف، من خلال استثمار المقومات الحضارية والتراثية والثقافية التي تزخر بها السلطنة، وتحويلها إلى مشاريع اقتصادية تسهم في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي وخلق فرص عمل جديدة.
كما يشكل الاقتصاد الإبداعي منصة مهمة للتعريف بالثقافة العُمانية ونشرها عالميًا عبر الفنون والإعلام والصناعات الثقافية المختلفة، بما يعزز حضور السلطنة على الساحة الدولية ويؤكد خصوصيتها الحضارية والثقافية.
وفي الختام، يمكن القول إن الاقتصاد الإبداعي لم يعد خيارًا تنمويًا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية في عالم تتسارع فيه التحولات التقنية والاقتصادية. ومع استمرار ثورة الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الاستثمار في الإنسان باعتباره المصدر الحقيقي للإبداع والابتكار، بما يضمن بناء اقتصادات أكثر تنوعًا واستدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.




