كازاخستان وعُمان.. شراكة استراتيجية تتجاوز الجغرافيا نحو آفاق اقتصادية واعدة

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي
في خطوة دبلوماسية تعكس عمق العلاقات الثنائية وتطلعات البلدين نحو توسيع آفاق التعاون، وصل صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، نائب رئيس الوزراء العُماني للشؤون الاقتصادية، إلى العاصمة الكازاخستانية أستانا، يوم الخميس الموافق 23 أبريل 2026، في زيارة رسمية تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية مهمة.
وكان في مقدمة مستقبلي سموه بمطار أستانا الدولي، رئيس وزراء جمهورية كازاخستان أولجاس بيكتينوف، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين، في استقبال يعكس مستوى العلاقات المتنامية بين البلدين.
وعقب وصوله، توجّه سموه إلى قصر “أكوردا” الرئاسي، حيث عقد لقاءً رسميًا مع الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، تناول سبل تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات.
تأتي هذه الزيارة في توقيت دقيق، يعكس قدرة الدبلوماسية العُمانية على بناء شراكات متوازنة مع دول آسيا الوسطى، مستندة إلى نهجها القائم على الحياد والتوازن، رغم التحديات الإقليمية والدولية الراهنة.
ووفقًا لبيان رسمي صادر عن موقع الرئاسة الكازاخستانية، وصف الرئيس توكاييف سلطنة عُمان بأنها “شريك موثوق وطويل الأمد” في العالم العربي، مؤكدًا أن العلاقات الثنائية تشهد تطورًا متسارعًا في الجانبين السياسي والاقتصادي. كما أعرب عن تقديره للجهود الشخصية التي يبذلها صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم في تعزيز هذه العلاقات.
وأبدى الرئيس الكازاخستاني احترامه العميق لجلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، معربًا عن تطلع بلاده لاستقبال جلالته في زيارة رسمية إلى أستانا خلال الفترة المقبلة.
من جانبه، أعرب صاحب السمو عن شكره لحفاوة الاستقبال، ناقلًا تحيات جلالة السلطان وتمنياته الطيبة، مشيدًا بما تتمتع به كازاخستان من إرث ثقافي غني وطبيعة خلابة. كما أشار إلى أن سلطنة عُمان كانت من أوائل دول مجلس التعاون الخليجي التي أقامت علاقات دبلوماسية مع كازاخستان عام 1992، مؤكدًا الحرص على تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والثقافة والسياحة.
وفي سياق متصل، أشاد الرئيس توكاييف بدور سلطنة عُمان في دعم جهود السلام والاستقرار الإقليمي، مؤكدًا دعم بلاده للشعب العُماني في ظل التحديات التي يشهدها الشرق الأوسط، وهو ما يتسق مع الاتصال الهاتفي الذي جرى بين قيادتي البلدين في مارس 2026.
وفي ختام اللقاء، منح الرئيس الكازاخستاني صاحب السمو وسام “دوستيك” (الصداقة) من الدرجة الأولى، تقديرًا لإسهاماته في تعزيز علاقات التعاون والصداقة بين البلدين.

وعلى صعيد المباحثات الرسمية، عقد الجانبان جلسة موسعة بحضور عدد من المسؤولين، من بينهم رئيس هيئة الاستثمار العُمانية عبدالسلام بن محمد المرشدي، والشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الحناي سفير متجول، وسفير سلطنة عُمان لدى كازاخستان محمد بن عبدالله البهراني.
وركزت المباحثات على فرص التعاون في قطاعات حيوية، تشمل الطاقة، والمعادن، والنقل واللوجستيات، والزراعة، والتحول الرقمي، إلى جانب تعزيز التبادل الثقافي والإنساني بين الشعبين.
وكانت فكرة إنشاء صندوق استثماري مشترك قد طُرحت خلال لقاء تحضيري عُقد في 19 أبريل 2026 بين السفير الكازاخستاني في مسقط أيداربيك توماتوف ورئيس هيئة الاستثمار العُمانية، حيث أبدى الجانب العُماني اهتمامًا واضحًا بالمقترح لتمويل مشاريع مشتركة ذات أثر اقتصادي ملموس، رغم عدم الإعلان عن اتفاق نهائي حتى الآن.
قراءة تحليلية
رغم أن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يزال محدودًا، فإن المؤشرات الحالية تعكس وجود فرص واعدة، خاصة في مجالات اللوجستيات عبر بحر قزوين، والطاقة، والمعادن، والتحول الرقمي.
وتسعى سلطنة عُمان، في إطار “رؤية عُمان 2040″، إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستثمارات الخارجية، فيما تمتلك كازاخستان مقومات اقتصادية قوية، تشمل موارد طبيعية ضخمة وموقعًا جيوستراتيجيًا يربط آسيا الوسطى بالأسواق العالمية.
وتعكس هذه المعطيات إمكانية بناء شراكة اقتصادية متكاملة، قائمة على تبادل المصالح والاستفادة من المزايا النسبية لكل طرف.
رأي
تمثل هذه الزيارة خطوة إيجابية نحو تعزيز العلاقات الثنائية، لكنها تتطلب ترجمة سريعة إلى مشاريع عملية على أرض الواقع. فالتكريم السياسي، بما في ذلك منح وسام “دوستيك” والدعوة الرسمية لزيارة جلالة السلطان، يعكس مستوى عالٍ من الالتزام، غير أن النجاح الحقيقي سيقاس بمدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات إلى استثمارات وشراكات ملموسة خلال المرحلة المقبلة.
وفي ظل التحديات الإقليمية والدولية، يظل الحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي وتعزيزها خيارًا استراتيجيًا ضروريًا، خاصة مع دول تمتلك إمكانات اقتصادية واعدة.
ختامًا
تؤكد هذه الزيارة مجددًا فاعلية الدبلوماسية العُمانية في بناء علاقات متوازنة ومنفتحة، وفتح آفاق تعاون بعيدة عن التوترات، مع إمكانية تحقيق نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذا ما تواصلت الجهود بخطوات عملية ومستدامة.



