المناقصات الحكومية للعُمانيين في العمل الحر

بقلم : د. حيدر بن عبدالرضا اللواتي
كَثُرَتْ في الآونة الأخيرة مناشدات أصحاب العمل الحُر للحصول على بعض المناقصات التي تطرحها الجهات المعنية، في الوقت الذي يعاني فيه الكثير من أصحابها من قلة الأعمال التي توكل إليهم من الجهات الحكومية، بجانب تحمّلها الكثير من وزر الضرائب والرسوم التي تفرضها تلك الجهات على أعمال المؤسسات الصغيرة، وهذا ما أدى إلى إقفال عدد من أصحاب العمل الحر مؤسساتهم خلال السنوات القليلة الماضية بعدما تعثروا في عملية استمرار تشغيلها بسبب القرارات التي تفرض عليهم سواء في مجال تعيين شخص عُماني في أعمالهم البسيطة، أو بسبب التزامهم بدفع الرسوم والضرائب وقيمة المخالفات على مؤسساتهم لأسباب بسيطة.
غياب أمر الحصول على المناقصات الحكومية كان موضع شكوى متكرر من قبل أصحاب الأعمال الحرة ورواده، إلّا أن الأمر تحقّق لهم مؤخرًا بصدور المنشور المالي رقم (1) لعام 2026 من قبل وزارة المالية بتوجيه كافة الوزارات والوحدات الحكومية والهيئات والمؤسسات العامة بإرساء بعض الأعمال والخدمات التخصصية التي لا تتجاوز قيمتها 5 آلاف ريال عُماني لأصحاب العمل الحر العُمانيين المستقلين غير الموظفين. ويأتي هذا القرار وفق الأطر التنظيمية الواردة للوزارة في دليل إجراءات التعاقد مع أصحاب تلك الأعمال في إطار البرنامج الوطني للتشغيل بناءً على قرار اللجنة المالية والاقتصادية بمجلس الوزراء.
أصحاب العمل الحر والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة يمثلون أحد المكونات المهمة للاقتصادات في العالم، وهذا ما نأمل أن يتحقق في عُمان أيضاً من خلال دعم وتسهيل أعمال هذه المؤسسات وتنشيطها بدلًا من إحباط أصحابها من الاستمرار في أعمالهم الحرة. فهم يقومون بتوفير فرص العمل لأنفسهم، بعدما تعبوا من انتظار العمل الحكومي والقطاع الخاص، كما يساهمون في تنشيط الأسواق المحلية، وتوسيع قاعدة القطاع الخاص.
ورغم العدد الكبير لأصحاب العمل الحر والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمقيدة لدى هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بواقع 130359 مؤسسة حتى نهاية ديسمبر 2025، إلّا أن أصحاب هذه المؤسسات لا زالوا يشعرون بضيق النشاط التجاري وصعوبة الاستمرار. وعليه، رأينا أن الجهات المعنية تضع اليوم مجموعة من السياسات والآليات لدعم تلك المؤسسات وإتاحة فرصة لهم بالتسجيل في منصة المناقصات الحكومية والمنافسة عليها؛ فالسياسات تقضي بتخصيص ما لا يقل عن 10% من إجمالي قيمة المشتريات والمناقصات الحكومية المختلفة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى ترتيبات تتعلق بالإعفاء من بعض الرسوم والتأمين المُؤقت وخفض تكلفة شراء مستندات المناقصات، وهذا ما يجب تفعيله؛ لأن عدد المؤسسات الصغيرة التي استفادت من المناقصات الحكومية خلال السنوات الماضية قليلة مقارنة بعددها الكبير. وبعض الأرقام تشير إلى أن 370 مؤسسة صغيرة ومتوسطة فقط استفادت من العقود الحكومية خلال الفترة بين عامي 2022 و2024، مُشكِّلةً نحو 15% من المؤسسات المُسجَّلة، وأن الأمر يتطلب توسيع الرقعة الجغرافية لاستفادة هذه المؤسسات من المناقصات الحكومية وزيادة قيمتها ونسبتها سنويًا لكي يشعر أصحابها بأن الأعمال الموكلة لهم كبيرة وتغطي المصاريف السنوية لمؤسساتهم. فنجاحهم في ذلك سوف يدفع بهم لتنظيم المزيد من أعمالهم التجارية وتوفير المعدات والأنظمة الإدارية والمالية اللازمة لمؤسساتهم.
الإجراء الأخير لوزارة المالية مهم لأصحاب العمل الحر والمؤسسات الصغيرة أيضًا؛ لأنه يفتح مجالًا لأصحاب المهارات المهنية والتخصصية للحصول على أعمال حكومية تتناسب مع حجم نشاطهم. كما يجب تفعيل توجيهات الوزارة بإسناد المناقصات الحكومية الخاصة بالتوريدات والأعمال والخدمات التي لا تتجاوز 25 ألف ريال عُماني إلى أصحاب بطاقة ريادة للأعمال. وهذا سوف يعمل على تنشيط أعمالهم في المستقبل في إطار رؤية “عُمان 2040″، بجانب توفير تمويل المواد الأولية لهم، ودعم أجور العاملين، وتوفير المركبات والمعدات، وتحمّل تكاليف النقل والتشغيل ودفع المستحقات المالية لهم في الوقت المناسب لاستمرارهم في الأعمال.
ومن المهم ألّا نتجاهل أثر الضرائب والرسوم على أصحاب الأعمال الحرة والمؤسسات الصغيرة وعدم تحميلهم مختلف المسؤوليات لكي يتمكنوا من الاستمرار في أداء أعمالهم التجارية؛ فهذه المؤسسات عليها دفع الإيجارات والرواتب والكهرباء والتأمين والالتزامات الأخرى، وجميعها تمثل أعباء ثابتة يصعب تحملها، بجانب فرض الرسوم والضرائب الأخرى. فهي تحتاج إلى تبسيط الإجراءات وتقليل تكلفة الامتثال وربط بعض الرسوم بحجم النشاط حيثما كان ذلك ممكنًا.
إنَّ نجاح سياسة دعم العمل الحر في سلطنة عُمان لا ينبغي أن يقاس بعدد السجلات التجارية الجديدة، ولا بعدد المبادرات والبرامج التمويلية وحدها، وإنما بقدرة المواطن على إنشاء مؤسسة، والحصول على أعمال وتنفيذها، وتحصيل مستحقاته، وتحقيق ربح يسمح له بالاستمرار والنمو؛ فالمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم “دعم المؤسسة إلى “ضمان قدرتها على الاستمرار”، وبذلك يمكن أن يصبحوا إحدى الأدوات الأساسية لتحقيق أهداف التنويع الاقتصادي، وزيادة مشاركة المواطنين في القطاع الخاص، وخلق مؤسسات عُمانية قادرة على النمو والمنافسة في السوقيْن المحلي والخارجي.



