آراء

هل تنجح باكو في ترسيخ مكانتها مركزاً للتمويل الإسلامي في القوقاز وآسيا الوسطى؟

بقلم : عبد الحميد حميد الكبي

Advertisement

لم يكن اختيار العاصمة الأذربيجانية باكو لاستضافة الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية والمنتدى العالمي للتمويل الإسلامي في يونيو 2026 مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل عكس توجهاً استراتيجياً تسعى من خلاله أذربيجان إلى ترسيخ موقعها كمحور مالي ولوجستي يربط بين أسواق الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد لدى صناع القرار في باكو بأن التمويل الإسلامي بات يمثل أداة جيو-اقتصادية مؤثرة، يمكن توظيفها لدعم جهود التنويع الاقتصادي وتعزيز جاذبية البلاد للاستثمارات، خصوصاً في مرحلة ما بعد إعادة بسط السيطرة على إقليم قره باغ وما رافقها من خطط تنموية وإعمارية واسعة.

Advertisement

وتشير التقديرات إلى وجود فرص نمو واعدة في هذا القطاع. فوفقاً لتقرير صادر عن معهد البنك الإسلامي للتنمية، من المتوقع أن تصل أصول الصيرفة الإسلامية في أذربيجان إلى نحو 2.7 مليار دولار بحلول عام 2035، مع إمكانية إصدار صكوك بقيمة تصل إلى 1.5 مليار دولار، وهو ما يعكس الإمكانات الكامنة في سوق لا تزال في مراحلها الأولى.

وتستند أذربيجان في هذا المسار إلى مجموعة من المزايا الهيكلية المهمة، أبرزها موقعها الجغرافي على الممر الأوسط الذي يربط بين آسيا وأوروبا، ما يمنحها دوراً محورياً في حركة التجارة والاستثمار العابرة للحدود. كما أحرز الاقتصاد الأذربيجاني تقدماً ملحوظاً في مسار التنويع خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 47 مليار دولار في عام 2018 إلى أكثر من 76 مليار دولار في عام 2025، فيما تجاوزت مساهمة القطاعات غير النفطية 60% من الاقتصاد.

وتعزز هذه المؤشرات تدفقات استثمارية متنامية، إذ بلغت الاستثمارات في الأصول الثابتة نحو 12.5 مليار دولار خلال عام 2025، فيما سجلت نمواً بنسبة 14.9% خلال الربع الأول من عام 2026. كما تشهد قطاعات اللوجستيات والزراعة والسياحة والتكنولوجيا توسعاً متواصلاً مدعوماً بمشروعات بنية أساسية واسعة النطاق.

وفي هذا السياق، تبرز الشراكة الممتدة بين أذربيجان والبنك الإسلامي للتنمية كأحد العوامل الداعمة لهذا التحول. فعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، تجاوز حجم التمويلات المقدمة 1.8 مليار دولار موزعة على أكثر من 80 مشروعاً تنموياً. وخلال الاجتماعات الأخيرة، جرى توقيع اتفاقيات جديدة تركز على تطوير البنية التحتية وإعادة تأهيل شبكات الري في قره باغ، بما يدعم جهود إعادة الإعمار ورفع القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك تحديات قائمة أمام طموح باكو للتحول إلى مركز إقليمي للتمويل الإسلامي. فاقتصاد البلاد لا يزال يعتمد بدرجة ملحوظة على العوائد النفطية، كما تواجه منافسة قوية من مراكز مالية راسخة تمتلك خبرات وتشريعات متقدمة في هذا المجال، مثل دبي وإسطنبول.

كما أن الاستقرار السياسي الذي تتمتع به أذربيجان، رغم أهميته، لا يمثل وحده ضمانة كافية لتحقيق هذا التحول. إذ يتطلب النجاح بناء منظومة مالية أكثر عمقاً وتنوعاً، واستقطاب تدفقات استثمارية خاصة طويلة الأجل، إضافة إلى تطوير الأطر التنظيمية والمنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

في المحصلة، تمتلك أذربيجان مقومات حقيقية تؤهلها لتعزيز حضورها كمركز ناشئ للتمويل الإسلامي في القوقاز وآسيا الوسطى، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها الاقتصادية المتنامية. غير أن الانتقال من دور الممر التجاري والاستثماري إلى دور المركز المالي الإقليمي سيظل رهناً بقدرتها على تحويل هذه المقومات إلى منظومة مالية متكاملة ومستدامة خلال السنوات المقبلة.

عبد الحميد حميد الكبي

كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى