هل أصبحت كازاخستان النموذج الاقتصادي الأبرز في آسيا الوسطى؟

بقلم: عبد الحميد حميد الكبي
لم يعد الحديث عن كازاخستان يقتصر على كونها دولة غنية بالموارد الطبيعية أو صاحبة موقع جغرافي استراتيجي، بل بات يدور حول تجربة اقتصادية تتشكل ملامحها بصورة متسارعة، تستند إلى الإصلاح المؤسسي، والتحول الرقمي، وجذب الاستثمارات النوعية، بما يجعلها مرشحة لتكون النموذج الاقتصادي الأبرز في آسيا الوسطى.
وفي هذا السياق، اكتسبت الجلسة العامة الثامنة والثلاثون لمجلس المستثمرين الأجانب، التي ترأسها الرئيس قاسم جومارت توكاييف في العاصمة أستانا بتاريخ 2 يوليو 2026، أهمية خاصة، إذ جاءت عقب دخول الإصلاحات الدستورية الجديدة حيز التنفيذ في مطلع يوليو، بعد الاستفتاء الدستوري الذي أجري في 15 مارس 2026.
وتعكس هذه الإصلاحات توجهاً واضحاً نحو تحديث مؤسسات الدولة، وتعزيز البيئة القانونية والتنظيمية للاستثمار، بما يرسخ الثقة لدى المستثمرين المحليين والدوليين، ويؤكد أن الإصلاح السياسي يسير جنباً إلى جنب مع الإصلاح الاقتصادي.
ولم يكن الاجتماع مجرد لقاء دوري مع المستثمرين، بل منصة لاستعراض الإنجازات الاقتصادية، والإعلان عن مرحلة جديدة ترتكز على الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتنويع الاقتصادي، باعتبارها ركائز للنمو المستقبلي.
وخلال كلمته، أكد الرئيس توكاييف أن الاقتصاد الكازاخستاني أثبت قدرة كبيرة على الصمود رغم التحديات العالمية، حيث سجل نمواً بلغ 6.5% خلال العام الماضي، ليرتفع الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 300 مليار دولار، فيما تجاوز صافي الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكم 150 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 70% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في آسيا الوسطى.
ومن خلال متابعة مسيرة الإصلاح الاقتصادي في كازاخستان خلال السنوات الماضية، يبدو أن نقطة القوة الحقيقية لم تعد تكمن في الثروات الطبيعية وحدها، وإنما في قدرة الدولة على مواءمة الإصلاحات المؤسسية مع احتياجات المستثمرين وخطط التنمية طويلة الأجل. وقد ساهم هذا النهج، إلى جانب الاستقرار السياسي والموقع الاستراتيجي على امتداد الممر الأوسط، في ترسيخ مكانة البلاد كأبرز وجهة استثمارية في المنطقة.
وتواصل الحكومة تطوير منظومتها الاستثمارية عبر إطلاق منصة استثمار رقمية وطنية تعمل وفق مبدأ “النافذة الواحدة”، إلى جانب إنشاء مقر للاستثمار يسرّع إجراءات اتخاذ القرار ويوفر دعماً حكومياً متكاملاً للمستثمرين. كما يقدم برنامج “تأشيرة ألتين” حوافز ضريبية وتسهيلات في إجراءات الإقامة لرواد الأعمال الأجانب، في إطار مرحلة جديدة تستهدف تنويع الاقتصاد وتعزيز تنافسيته.
وتؤكد المؤشرات الاقتصادية نجاح هذه السياسات؛ ففي يونيو 2026 ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 14% متجاوزة 20 مليار دولار، مع توجه متزايد نحو قطاعات التصنيع، والنقل، والخدمات اللوجستية، والتحول الرقمي، بما يعكس انتقال الاقتصاد تدريجياً من الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وابتكاراً.
كما عرض سلطانغالي كينجاكولوف، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الاستثمار الكازاخستانية، حزمة واسعة من الحوافز تشمل إعفاءات ضريبية تمتد من خمس إلى عشر سنوات أو أكثر، ومنح أراضٍ مجانية، وإعفاءات جمركية على المعدات المستوردة، إضافة إلى تسهيلات في استقدام العمالة الأجنبية خلال مراحل الإنشاء والتشغيل، مع التركيز على تدريب الكفاءات الوطنية ونقل المعرفة.
ومن جانبه، أكد أوليغ غوشتشانسكي من شركة KPMG EMA أن الاستقرار السياسي والسياسات الاقتصادية البراغماتية عززا ثقة المستثمرين، مشيراً إلى أن كازاخستان لم تعد تستقطب رؤوس الأموال فحسب، بل أصبحت تجذب شركاء استراتيجيين يسهمون في نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، خاصة في الصناعات المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويحتل الذكاء الاصطناعي موقعاً محورياً في الرؤية الاقتصادية الجديدة، إذ أصبحت كازاخستان أول دولة في آسيا الوسطى تشغل حاسوبين عملاقين متطورين، كما تمضي في تنفيذ مشروع “وادي مراكز البيانات”، في وقت تشير فيه توقعات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أن حجم اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي سيبلغ نحو خمسة تريليونات دولار بحلول عام 2033.
وتسعى كازاخستان إلى اقتناص حصة مؤثرة من هذا النمو عبر شراكات مع شركات عالمية، إلى جانب دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم والإدارة الحكومية والخدمات اللوجستية وقطاع النفط والغاز، بما يؤكد أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجية التنمية الوطنية.
وفي قطاع التعليم، افتتحت الدولة مركز TUMO و”مدرسة المستقبل” ضمن مركز Alem.ai الدولي للذكاء الاصطناعي، فيما جعل مرسوم رئاسي الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً لإصلاح التعليم الثانوي، بهدف تقليص الفجوة التعليمية بين المناطق الحضرية والريفية، وإعداد كوادر قادرة على قيادة الاقتصاد الرقمي.
وأشاد ديفيد ليفينغستون من مجموعة سيتي بريادة كازاخستان في الابتكار الرقمي، مشيراً إلى مبادرات مثل صندوق الأصول الرقمية الحكومي، ومدينة ألاتاو الرقمية، والتينغ الرقمي، والاتفاقية مع شركة إنفيديا.
وعلى هامش اجتماع مجلس المستثمرين، وقعت شركة بريسايت إيه آي اتفاقية مع وزارة النقل لتطوير مشروع “الطرق الذكية”، وأعلنت اهتمامها بالمشاركة في مشروع وادي مراكز البيانات، فيما كشفت شركة فيون، التي تتخذ من الإمارات العربية المتحدة مقراً لها، عن خطط لاستثمار مليار دولار إضافية خلال السنوات الثلاث المقبلة في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات.
وفي موازاة ذلك، أولت الحكومة اهتماماً خاصاً بالمعادن الحيوية باعتبارها مورداً استراتيجياً، فأطلقت منصة رقمية موحدة لإدارة استخدام باطن الأرض، ورقمنت أكثر من 4.7 مليون وثيقة جيولوجية. كما تتجه في القطاع الزراعي نحو التصنيع الغذائي المتقدم باستخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات، بما يعزز القيمة المضافة للصادرات.
أما العاصمة أستانا، فتواصل ترسيخ مكانتها مركزاً اقتصادياً وسياحياً، بعدما استقطبت استثمارات سياحية بلغت 438.3 مليار تينغ خلال عام 2025، و250 مليار تينغ خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، فيما استقبلت 1.6 مليون زائر العام الماضي، مدعومة بمشروعات فندقية عالمية ومبادرات للسياحة البيئية.
وتعزز المؤسسات المالية الدولية هذه الصورة الإيجابية؛ إذ رحبت أوديل رينو باسو، رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بمناخ الاستثمار في كازاخستان، متوقعة استثمارات بقيمة 1.3 مليار يورو خلال عام 2026، بينما يوسع البنك الإسلامي للتنمية نطاق تعاونه مع البلاد، وتواصل شركات عالمية كبرى تعزيز حضورها في السوق الكازاخستانية.
كما أكدت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصنيف كازاخستان السيادي عند مستوى BBB مع نظرة مستقبلية مستقرة، مدعوماً بمتانة الأصول الخارجية وانخفاض الدين العام إلى نحو 23% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت سجل فيه الاقتصاد نمواً بنسبة 3.7% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مدفوعاً بارتفاع نشاط قطاع التصنيع بنسبة 9%.
ووفقاً لبيانات الأونكتاد، تستحوذ كازاخستان على نحو 68.6% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكم في آسيا الوسطى، بما يعادل 151.3 مليار دولار، فيما تشير تقارير دولية إلى استمرار النمو في قطاعات البناء والتصنيع والنقل، انسجاماً مع هدف الحكومة لمضاعفة حجم الاقتصاد إلى 450 مليار دولار بحلول عام 2029.
إن التجربة الكازاخستانية تقدم نموذجاً جديراً بالاهتمام في آسيا الوسطى، إذ تؤكد أن الاستثمارات المستدامة لا تُبنى على الحوافز المالية وحدها، وإنما على مؤسسات قوية، وسياسات مستقرة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى. وإذا واصلت البلاد تنفيذ إصلاحاتها بالوتيرة الحالية، فإنها تبدو مؤهلة للحفاظ على مكانتها كأبرز مركز اقتصادي واستثماري في المنطقة.
واليوم، لم تعد أستانا مجرد عاصمة سياسية، بل أصبحت بوابة اقتصادية تربط آسيا الوسطى بالأسواق العالمية، وتجسّد نموذجاً متقدماً للإصلاح المؤسسي، والتحول الرقمي، والنمو القائم على الاستثمار والابتكار.



