بين بكين وطهران: ترامب يبحث عن استسلام لا عن اتفاق

بقلم : سمير باكير
لا يخفى على أي متابع أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة، والتي وصف فيها الرد الإيراني بأنه “غير مقبول”، تحمل أبعاداً تتجاوز مجرد الرفض الدبلوماسي. فالرجل، بحسب المؤشرات الحالية، لا يبحث عن تسوية بقدر ما يسعى إلى استسلام تقني يُجرد طهران من أبرز أوراق قوتها السيادية، وفي مقدمتها اليورانيوم المخصب والمنشآت النووية. وهذا الطرح ذاته هو ما دأب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على الترويج له، بما يعكس استمرار التأثير الإسرائيلي في توجيه مسار هذا الملف من خلف الستار.
ورغم أن إيران أبدت قدراً من المرونة عبر قبولها مبدأ تجميد التخصيب لفترة محددة، فإن الإدارة الأميركية عادت لترفع سقف مطالبها نحو التفكيك الكامل، وكأن الهدف لم يعد الوصول إلى اتفاق بقدر ما هو إحراج طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات أحادية. ويبدو أن ترامب وجد نفسه عالقاً في زاوية ضيقة بعدما صعّد خطابه سريعاً، إذ بات أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما العودة إلى خيار الحرب الذي لا تبدو نتائجه مضمونة، أو انتزاع تنازلات إيرانية ترفضها طهران التي تعتبر عرضها الأخير “سخياً” إلى حد بعيد.
الأكثر دلالة في المشهد هو توقيت التصعيد. فترامب يتجه إلى بكين في زيارة تمتد يومين، وهناك ربما تُرسم ملامح أي تفاهم مرتقب. وكانت بكين قد استقبلت قبل ذلك بأيام وزير الخارجية الإيراني عراقجي، في خطوة أوحت بأن الصين باتت تمسك بخيوط التواصل الأساسية في هذا الملف. ويبدو أن ترامب يسعى إلى تسويق أي تفاهم محتمل باعتباره ثمرة توافق بين القوى الكبرى، ضمن سياق أوسع يرتبط بإعادة ترتيب النفوذ العالمي وإدارة التنافس مع الصين. لذلك، فإن كثيراً مما يُطرح حالياً من تهويلات وتحليلات قد لا يتجاوز كونه محاولة لكسب الوقت حتى موعد الزيارة.
لكن السؤال الأكثر خطورة يبقى: هل ينتظر ترامب حتى بكين، أم يفاجئ الجميع بضربات عسكرية خاطفة قبل سفره؟ الاحتمال لا يبدو مستبعداً، خصوصاً في ظل ضغوط إسرائيلية متواصلة تدفع نحو تصعيد أكثر حدة. غير أن المشهد اليوم يختلف عما كان عليه قبل أشهر قليلة؛ فترامب يواجه استحقاقات داخلية ثقيلة، في مقدمتها الانتخابات النصفية التي قد تعصف بما تبقى من رصيده السياسي، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية وتداعيات أي تصعيد على الأحداث الرياضية العالمية المقبلة، وعلى رأسها كأس العالم.
الأهم من ذلك أن المزاج الأميركي الداخلي لا يبدو متحمساً لحرب جديدة. فغالبية الأميركيين باتت تفضل التوصل إلى اتفاق مع إيران، فيما تتزايد الأصوات التي تعتبر أي مواجهة محتملة حرباً تخدم المصالح الإسرائيلية أكثر مما تخدم المصالح الأميركية. كما أن التكاليف الاقتصادية والسياسية لأي مواجهة مفتوحة أصبحت باهظة، في وقت تتجه فيه شريحة واسعة من المستقلين نحو الديمقراطيين، ما يزيد من تعقيد حسابات البيت الأبيض.
في المحصلة، تبدو الحرب اليوم مقامرة كبرى قد يدفع ترامب نفسه ثمنها سياسياً. وإيران تدرك جيداً حجم الضغوط التي تحاصره داخلياً وخارجياً، لذلك جاء ردها محسوباً بما يخدم مصالحها الاستراتيجية لا بما يرضي واشنطن. وبين التصعيد والمفاوضات، تبقى الأيام المقبلة مفتوحة على كل الاحتمالات، فيما يظل الإصبع قريباً من الزناد.



