الاقتصاد تستشرف مستقبل الطاقة عالميا وتبحث انعكاساته على سلطنة عُمان

مسقط : هرمز نيوز
ناقشت وزارة الاقتصاد، ممثلة بالمكتب الوطني لاستشراف المستقبل، التحولات المتسارعة في قطاع الطاقة العالمي وانعكاساتها الاقتصادية والاستراتيجية على سلطنة عُمان، وذلك خلال الجلسة الثانية من برنامج «حوارات المستقبل»، التي حملت عنوان «التعامل مع التحولات في مشهد الطاقة العالمي»، بمشاركة عدد من أصحاب السعادة، والمكرّمين أعضاء مجلس الدولة، والرؤساء التنفيذيين ومديري العموم في المؤسسات الحكومية والخاصة المعنية.
واستضافت الجلسة آدم ريتشي، كبير الاقتصاديين في قطاع التجارة بشركة شل العالمية، وبيتر وود، كبير مستشاري الطاقة بالشركة، حيث استعرضا أبرز الاتجاهات التي تعيد تشكيل أسواق الطاقة، وتأثير المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والتقنية في موازين العرض والطلب وسلاسل الإمداد، إلى جانب بحث الخيارات المتاحة أمام سلطنة عُمان للتعامل مع هذه التحولات والاستعداد لمتطلباتها المستقبلية.
وتندرج هذه الجلسة ضمن مساعي وزارة الاقتصاد إلى تعزيز الوعي بالاتجاهات العالمية وتداعياتها المحتملة على الاقتصاد الوطني، وتوظيف أدوات الاستشراف في تحليل البدائل الاستراتيجية والاستعداد المبكر للمتغيرات. كما توفر منصة تجمع صناع القرار والمسؤولين والخبراء من القطاعين العام والخاص، لتبادل المعرفة وربط الرؤى المستقبلية بأولويات التخطيط وصياغة السياسات وتوجيه الاستثمارات.

تحولات الأسواق بين المتغيرات الراهنة والاتجاهات طويلة المدى
وتناول العرض الذي قدمه آدم ريتشي تطورات أسواق الطاقة في المرحلة الراهنة، والعوامل العالمية المؤثرة في توازناتها، مع استعراض التوقعات المتعلقة بالعرض والطلب على المدى القريب. كما سلط الضوء على التداخل بين المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية وحركة الأسواق، وما تفرضه من اعتبارات ينبغي أخذها في الحسبان عند تقييم الفرص الاقتصادية والاستثمارية في سلطنة عُمان.
من جانبه، ركز بيتر وود على الاتجاهات طويلة المدى لقطاع الطاقة على المستويين العالمي والإقليمي، والتحولات المحتملة في سلاسل الإمداد، موضحا أهمية بناء السيناريوهات المستقبلية في تحليل المسارات المحتملة وتقييم الخيارات المتاحة، في ضوء اختلاف الفرضيات المرتبطة بالنمو الاقتصادي والتقدم التقني والسياسات العامة ومتطلبات أمن الطاقة.
ثلاثة سيناريوهات لاستشراف مستقبل الطاقة
واستعرضت الجلسة ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتناول أبعادا مختلفة لمستقبل الطاقة وأمنها؛ يركز الأول على النمو الاقتصادي وتحسن الإنتاجية مع تنامي تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي، فيما يتناول الثاني تصاعد أهمية أمن الموارد والحدود والمصالح الوطنية في ظل عالم يتجه نحو مزيد من التجزؤ، بينما يستكشف الثالث متطلبات تحقيق الأمن البيئي على المدى الطويل والوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050.
وطرحت هذه السيناريوهات بوصفها أدوات تحليلية تساعد على اختبار الفرضيات، واستكشاف الاحتمالات المختلفة، وتقييم البدائل الاستراتيجية، بما يعزز قدرة المؤسسات على الاستعداد للمتغيرات والتعامل مع تداعياتها المحتملة.
وفي سياق متصل، ناقشت الجلسة أربعة مرتكزات أساسية لأمن الطاقة، تشمل ضمان إتاحة الطاقة، وموثوقية الإمدادات، والقدرة على الصمود والتعافي من الصدمات، والتكيف مع التحولات المستقبلية. وتطرقت المناقشات إلى أهمية تنويع مصادر الطاقة، وتطوير البنية الأساسية والقدرات التشغيلية، وتعزيز مرونة الاستجابة للتغيرات في العرض والطلب، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، إلى جانب توفير بيئة اقتصادية واستثمارية داعمة لتطوير منظومات الطاقة.
النفط والغاز والكهرباء في ظل التحول العالمي
وبحثت العروض المسارات المتوقعة للطلب على النفط والغاز الطبيعي والكهرباء، في ظل تفاوت وتيرة التحول بين القطاعات والمناطق الجغرافية. وشملت الموضوعات مستقبل استخدام النفط في قطاع الطيران والصناعات البتروكيماوية، ودور الغاز الطبيعي في الأنشطة الصناعية وتوليد الكهرباء، والآفاق المرتبطة بالغاز الطبيعي المسال، فضلا عن تنامي استخدام المركبات الكهربائية وما يصاحبه من احتياجات استثمارية في مجالات الإنتاج والشبكات والتخزين.
كما تناولت الجلسة تأثير التوسع في مصادر الطاقة المتجددة وتقنيات البطاريات على هيكل منظومات الكهرباء، وأهمية تحقيق التكامل بين مصادر التوليد المختلفة لتلبية الطلب وضمان استقرار الإمدادات. وناقشت كذلك التركز الجغرافي لسلاسل تصنيع تقنيات الطاقة النظيفة، وما قد يترتب عليه من تحديات تتعلق بأمن الإمدادات وتنويع مصادر التوريد، فضلا عن ارتباط تحولات الطاقة بالتجارة والصناعة والتنافسية الاقتصادية.
وتطرقت المناقشات أيضا إلى الترابط بين أمن الطاقة والتغير المناخي، وسبل الموازنة بين خفض الانبعاثات وتلبية متطلبات النمو والتنمية. وفي هذا الإطار، استعرضت العروض دور تقنيات التقاط ثاني أكسيد الكربون وتخزينه وإزالته، وأهمية مراعاة الآفاق الزمنية الطويلة عند تقييم الاستثمارات والخيارات التقنية المرتبطة بمسارات التحول في قطاع الطاقة.
واختتمت الجلسة بعقد نقاش مفتوح تخللته أسئلة ومداخلات من الحضور، أتاحت تبادل الآراء مع المتحدثين بشأن القضايا المطروحة، واستيضاح آثار التحولات العالمية على القطاعات المعنية، وبحث سبل تعزيز الجاهزية للتغيرات المتوقعة في أسواق الطاقة وسلاسل القيمة المرتبطة بها.
«حوارات المستقبل» لدعم التخطيط وصناعة القرار
ويهدف برنامج «حوارات المستقبل» إلى بناء معرفة تراكمية بالاتجاهات والتحولات المؤثرة في مستقبل التنمية، من خلال استضافة الخبراء والمتخصصين والاستفادة من التجارب الدولية والمنهجيات الحديثة في استشراف المستقبل. كما يسعى إلى ترسيخ التفكير المستقبلي لدى القيادات والمؤسسات، وتعزيز القدرة على اختبار الفرضيات واستكشاف البدائل، والاستفادة من مخرجات الحوار في دراسة القضايا الوطنية وتطوير السياسات الاستباقية.
وتسهم الشراكة الاستراتيجية مع شركة شل في دعم القدرات الوطنية في مجالات الاستشراف وتحليل التحولات بعيدة المدى، وتبادل الخبرات في بناء السيناريوهات واختبار الخيارات الاستراتيجية، إلى جانب توسيع قنوات التواصل مع الخبراء والشبكات المعرفية الدولية.
ويأتي البرنامج في إطار الدور الذي يضطلع به المكتب الوطني لاستشراف المستقبل في رصد الاتجاهات الناشئة، وتحليل التحولات، وتحديد الفرص والمخاطر، وتطوير السيناريوهات المستقبلية، وتعزيز جاهزية السياسات والمؤسسات لمتطلبات المرحلة المقبلة، بما يدعم عملية صنع القرار الوطني ويسهم في تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040».



