لماذا يهتم الناس بأسعار الكهرباء؟

بقلم : د. حيدر بن عبدالرضا اللواتي
منذ أيام مضت أعلنت هيئة تنظيم الخدمات العامة عن قرار مُهم يمَس كافة شرائح الناس، خاصة في فترة الصيف التي تتميز بشدة الحرارة في منطقة تتصف بأنها من المناطق الحارة والجافة على مستوى العالم. القرار الجديد يقضي بتطبيق تخفيضات على تعرفة الكهرباء للاستخدام السكني لحساب أساسي واحد لصيف عام 2026، وذلك للأشهر من مايو إلى أغسطس.
اهتمام الناس بأسعار الطاقة عمومًا كبير بهذه المسألة أينما كانوا، خاصة في دول ترتفع فيها أسعار خدمات الكهرباء والماء والوقود وغيرها من الاحتياجات الأخرى التي تعد جميعها احتياجات أساسية لا يستغني عنها البشر مهما كانت أوضاعهم المادية. وفي فترة الصيف يزداد اهتمامهم بأسعار الكهرباء خاصة لدى أولئك الذين لا يتمكنون من توفير مصاريف هذه الخدمة بسبب قلة رواتبهم الشهرية أو من المُسرَّحين من أعمالهم أو الدائنين من المؤسسات المصرفية أحيانا. فاهتمام الناس بأسعار الكهرباء والطاقة كبير لأنّها تمسّ حياتهم اليومية بشكل مباشر، وتؤثر في الاقتصاد والأسرة والبيئة في آنٍ واحد. وكما يعرف الجميع فإنَّ الكهرباء ليست مجرد خدمة، بل عنصر أساسي في تشغيل المنازل، والمؤسسات، والصناعة، والنقل، وحتى الاتصالات وغيرها، وكلما ارتفعت أسعارها، فإن كلفة المعيشة والإنتاج تزداد هي الأخرى، مما ينعكس على أسعار السلع والخدمات التي نحتاج إليها.
ومن هذا المنطلق، فقد وجهت هيئة تنظيم الخدمات العامة جميع الشركات العُمانية المرخصة بعدم قطع خدمة التيار الكهربائي عن أي مواطن أو مقيم في البلاد خلال الأشهر الواردة في القرار، بل طلبت من هذه الشركات تقديم خطط سداد مرنة للمشتركين الذين لديهم متأخرات مالية سابقة، وذلك لتمكينهم من تقسيط المبالغ المستحقة عليهم وفق آليات ميسرة.
إن اتخاذ مثل هذا القرار سيعمل بلا شك على تخفيف الضغوط المالية والنفسية على الناس خاصة أولئك الذين يعانون من المشاكل المادية والمعيشية بصفة عامة. والكل يعلم بأن هذه الأشهر يكثر فيها ارتفاع درجات الحرارة، فيما سيعمل القرارعلى تخفيف تلك الضغوط على المشتركين، الأمر الذي يتطلب منهم مراعاة تشغيل الأجهزة وإقفالها في حال عدم الاحتياج إليها. وهذا ما يقوم به الناس في جميع دول العالم، بحيث لا نترك الأجهزة تعمل ونحن بعيدون عنها.
إن فصل الصيف في دولة مثل سلطنة عُمان يتميز بارتفاع درجات الحرارة، مما يزيد الاعتماد على أجهزة التكييف بصورة كبيرة والتي تشكّل أكبر مستهلك لفاتورة الكهرباء الشهرية. وهناك العديد من الخطوات التي يتطلب من المُشترِك العمل بها للحدّ من استهلاك تلك الأجهزة كضبط درجة المكيف على مستوى معتدل بدل التبريد المُفرِط، واستخدام العزل الحراري للنوافذ والأسطح لتقليل تسرب الحرارة. وتشغيل الأجهزة الثقيلة (مثل الغسالات) وغيرها في أوقات انخفاض الاستهلاك إن أمكن. واليوم نرى أن البعض بدأ في الاستفادة من الطاقة الشمسية وتركيب أجهزة مُعينة للاستفادة منها باعتبار أنَّ هذه الطاقة مورد طبيعي متوفر بكثرة في المنطقة.
وعمومًا فإن الاستغناء الكامل عن الكهرباء في العصر الحديث صعب جدًا لأي إنسان، لكن يمكن تقليل الاعتماد عليها في بعض الأوقات، خاصة في بعض الفصول المعتدلة كالشتاء والربيع؛ حيث يمكن له استخدام الإضاءة الطبيعية نهارًا بدل المصابيح، والحصول على التهوية الطبيعية بدل التكييف أحيانًا، بالإضافة إلى التقليل من استخدام الأجهزة غير الضرورية، الأمر الذي سيؤدي بالشخص إلى توفير المال، وكذلك تقليل الضغط على شبكات الكهرباء والحفاظ على البيئة.
وهنا نقول إنه من المهم أن نُعلِّم الأجيال مبدأ ترشيد استهلاك خدمات الطاقة مثل الكهرباء، وبناء هذه الثقافة التي تبدأ من الأسرة والمدرسة والمجتمع عمومًا، ويمكن تحقيق ذلك عبر الآباء باعتباهم القدوة، عندما يرى الأطفال الكبار يطفئون الأجهزة غير المستخدمة، سيتعلمون ذلك تلقائيًا، كما يتم ذلك أيضًا من خلال التوعية المبسطة وهي شرح أن الكهرباء مورد له تكلفة وتأثير بيئي، وربط السلوك بالنتائج مثل توضيح كيف يؤدي الترشيد إلى خفض الفاتورة أو حماية البيئة، بالاضافة إلى استخدام أساليب تحفيزية كالمكافآت عند الالتزام بسلوكيات التوفير، وإدخال مفاهيم الاستدامة في التعليم، مثل الاعتماد على الطاقة المتجددة.
وفي نهاية المطاف، فإن التعامل مع الكهرباء لم يعد مجرد مسألة تشغيل وإطفاء، بل أصبح جزءًا من وعي اقتصادي وبيئي أوسع في العالم، وأمام كل خطوة صغيرة في الترشيد، من أفراد الأسرة، فان ذلك يساهم في تحقيق توازن أفضل بين احتياجاتنا اليومية ومستقبل مواردنا التي نعتمد عليها.



