قمة تركستان .. كيف توسّع منظمة الدول التركية أجندتها نحو التكنولوجيا والاقتصاد؟

بقلم : عبدالحميد حميد الكبي
في مدينة تركستان، التي تُعد إحدى أبرز الرموز الروحية والتاريخية للشعوب التركية، انعقدت القمة غير الرسمية لـ منظمة الدول التركية في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، وسط تحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة تعيد تشكيل موازين النفوذ في العالم.
ولم يكن الاجتماع مجرد لقاء بروتوكولي بين قادة الدول الأعضاء، بل بدا محاولة لصياغة رؤية جديدة لمستقبل العالم التركي، تتجاوز الأطر الثقافية التقليدية نحو بناء شراكات اقتصادية وتقنية أكثر عمقًا وتأثيرًا.

اختيار تركستان لاستضافة القمة حمل دلالات تتجاوز البعد السياسي، فالمدينة المرتبطة بإرث خواجة أحمد يساوي تمثل نقطة التقاء بين الهوية الحضارية والطموحات الجيوسياسية الحديثة للدول التركية. ومن هنا، جاء المزج بين الرمزية التاريخية وأجندة التكنولوجيا بوصفه أحد أبرز ملامح القمة.
انعقدت الاجتماعات تحت شعار الذكاء الاصطناعي والتطوير الرقمي، في إشارة واضحة إلى سعي المنظمة للانتقال تدريجيًا من إطار ثقافي حضاري إلى منصة تعاون اقتصادي وتقني أكثر اتساعًا. فبعد سنوات من التركيز على الروابط الثقافية والسياسية، أظهرت قمة تركستان أن الأولويات الجديدة تتجه نحو الاقتصاد الرقمي، والربط اللوجستي، والبنية التكنولوجية المشتركة.

وخلال القمة، قدم الرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف واحدة من أكثر الرؤى وضوحًا بشأن مستقبل المنظمة، محذرًا من أن السباق العالمي في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قد يضع الدول التركية خارج دائرة التأثير إذا لم تُسرّع تعاونها في الابتكار، والأمن السيبراني، والتحول الاقتصادي القائم على المعرفة.
وفي هذا السياق، طرح توكاييف مجموعة من المبادرات التي تعكس الرؤية الكازاخية للدور المستقبلي للمنظمة، من بينها إنشاء شبكة مشتركة لمراكز الذكاء الاصطناعي، وإطلاق مركز إقليمي لتكنولوجيا المعلومات تحت اسم “Turkic AI”، إلى جانب تطوير منصة رقمية موحدة للتاريخ والثقافة التركية.
ولم تقتصر المقترحات على الجانب التقني فحسب، بل شملت أيضًا الاعتراف المتبادل بالتوقيعات الإلكترونية والوثائق الرقمية بين الدول الأعضاء، بما يسهم في تسهيل التجارة والاستثمار والتواصل الإداري داخل الفضاء التركي.
كما دعا الرئيس الكازاخي إلى توسيع التعاون في مجالات الأمن السيبراني، والفضاء، والتعليم التقني، مع خطط لإنشاء جامعة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وتنظيم أولمبياد سنوي للشباب في البرمجة والتقنيات المتقدمة.

وشهدت القمة كلمات لعدد من قادة الدول الأعضاء، من بينهم إلهام علييف ورجب طيب أردوغان وشوكت ميرضيائيف وصادر جاباروف، حيث ركزت المداخلات على أهمية توسيع التعاون الاقتصادي، وتعزيز الربط الإقليمي، ودعم مشاريع التكنولوجيا والنقل والطاقة بين الدول التركية.
الرسالة الأبرز في مجمل هذه الطروحات أن دول المنظمة لم تعد تتحدث فقط عن الهوية المشتركة، بل عن بناء منظومة اقتصادية وتقنية قادرة على المنافسة الإقليمية، خصوصًا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الإطار، تحاول كازاخستان ترسيخ موقعها كمركز رقمي إقليمي في آسيا الوسطى، عبر مشاريع متقدمة تشمل الحوسبة العملاقة، ومراكز البيانات الضخمة، والخدمات الحكومية الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كما قدم نائب رئيس الوزراء ووزير الذكاء الاصطناعي والتنمية الرقمية جاسلان مادييف تصورًا لنظام بيئي متكامل يقوم على تطوير البنية التحتية الرقمية، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز الخدمات الابتكارية.
وتضمنت المشاريع المطروحة إنشاء “مجمع مراكز معالجة البيانات” بقدرة تتجاوز واحد غيغاواط، إلى جانب تشغيل أكبر الحواسيب العملاقة في آسيا الوسطى، فضلًا عن توسيع خدمات GovTech الحكومية مثل “eGov AI” و“AlemGPT”.
كما حضر قطاع الاتصالات بقوة خلال القمة، خاصة مع استعراض التعاون القائم مع Starlink وOneWeb، إضافة إلى مشروع مد خط الألياف البصرية عبر بحر قزوين، الذي يُنظر إليه باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لتحويل كازاخستان إلى عقدة رقمية تربط آسيا بأوروبا.

القمة حملت كذلك أبعادًا لوجستية واستراتيجية مرتبطة بالممر الأوسط، الذي أصبح أحد أهم مسارات التجارة العابرة لأوراسيا. فالدول التركية تدرك أن تطوير الموانئ والسكك الحديدية وحده لم يعد كافيًا، وأن إدارة النقل الحديث باتت تعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة الذكية والخدمات الرقمية وتقنيات تحليل البيانات.
وفي موازاة أجندة التكنولوجيا، حرصت القمة على إبراز البعد الحضاري للعالم التركي، حيث زار القادة ضريح خواجة أحمد يساوي المدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، واطلعوا على معروضات تاريخية نادرة تعود إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، في رسالة تؤكد أن الهوية الثقافية ما تزال تمثل عنصرًا محوريًا في مشروع التكامل التركي.
كما وضع قادة الدول الأعضاء حجر الأساس لـ “مركز الحضارة التركية” الجديد في تركستان، وهو مشروع يهدف إلى تقديم التاريخ التركي باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والهولوجرام والوسائط التفاعلية الحديثة.
ويعكس هذا الدمج بين التكنولوجيا والرمزية الثقافية محاولة لبناء نموذج مختلف من التكامل الإقليمي، يقوم على توظيف الإرث الحضاري بالتوازي مع تطوير الاقتصاد والتقنيات الحديثة.
ورغم الطموحات الكبيرة التي ظهرت خلال القمة، لا تزال هناك تحديات حقيقية أمام المنظمة، تشمل التفاوت الاقتصادي بين الدول الأعضاء، والحاجة إلى تنسيق مؤسسي أعمق، فضلًا عن اختلاف أولويات السياسات الاقتصادية والاستراتيجية بين العواصم المشاركة.
وفي المقابل، حرص توكاييف على نفي أي طابع عسكري أو جيوسياسي للمنظمة، مؤكدًا أن منظمة الدول التركية ليست تحالفًا عسكريًا، بل منصة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي بين الدول الشقيقة.
وفي ختام القمة، وقع القادة “إعلان تركستان”، الذي عكس توافقًا متزايدًا حول توسيع مجالات الشراكة الاقتصادية والرقمية داخل المنظمة.
لقد أظهرت قمة تركستان أن العالم التركي يدخل مرحلة جديدة تتجاوز الخطاب الثقافي التقليدي. فبين الاقتصاد الرقمي، والممر الأوسط، ومشاريع الذكاء الاصطناعي، تحاول دول المنظمة بناء مساحة إقليمية أكثر ترابطًا وقدرة على التكيف مع التحولات الدولية المتسارعة.
ويبدو أن تركستان لم تستضف قمة سياسية فحسب، بل احتضنت أيضًا محاولة لإعادة تعريف موقع العالم التركي في النظام الإقليمي الجديد.



