آراء

شهر الورع .. ودراما السفه

بقلم د. : طارق عبد العزيز

Advertisement

رحل شهر رمضان في هدوء كعادته .. ويراودني في نفس الوقت من كل عام سؤال ربما تكون إجابته معلومة مسبقا لمعظمنا .. السؤال : ماذا قدم الاعلام المصري للمصريين خلال هذا الشهر؟ وكيف استغل التفاف معظم طوائف الشعب حول شاشة التليفزيون كل هذا الوقت؟ للأسف معظم مادخل البيوت باستثناء القليل جدًا.. وجبات غير صحية من المسلسلات والاعلانات والبرامج التافهة التي تُظهر إلي مدي وصل انحدارنا الثقافي ..

وعلي العكس لم نري أو نسمع معلومة عن عالم أو أديب أو جراح أو رمز أكاديمي أو تشكيلي كبير ممن أفنوا حياتهم في العلم والكتابة وعلاج البشر وصناعة الفن بمختلف أشكاله.. وتركوا بصمات واضحة ومؤثرة في مجالهم .. ليكونوا قدوة للشباب الذين يخطوا خطواتهم الأولي نحو بناء مستقبلهم .. لم نشاهد فيلمًا تسجيليًا عن مساجد القاهرة التاريخية أو أسبلتها وشوارعها ومعابد مصر الأثرية الساحرة .. أو تمثال نهضة مصر وكيف نحته محمود مختار ، أو رمز الجندي المجهول وكيف جسده ببراعة سامي رافع .. لم نري معلومة مثلًا عن دار الأوبرا أو معهد الموسيقي العربية أو ماشبه ذلك!؟.. وإن حدث صدفة سيكون وقت إذاعته ومعظمنا خالداً للنوم!!

Advertisement

اختفت البرامج الهادفة من الاذاعة قبل التلفزيون .. غابت المسابقات التي كانت تختبر معلوماتنا وتضيف إليها .. أصبحت صناعة الاعلان هي الشبح العام المسيطر علي سوق المال الذي يهدف في المقام الأول إلي استنزاف جيب المواطن سواء في عالم الاتصالات أو دنيا السلع الغير معمرة أو منظومة التبرع التي أصبحت رموزها كثيرة ومتعددة وتزداد أعدادها كل عام وكأنه مشروع مربح.. ولا أعرف ماهي الحكمة من عمل المسلسلات ثلاثين حلقة؟! وهي لاتحتمل أكثر من ثلث هذا العدد .. لكنها ربما لاتجوز في شهر رمضان إلا بهذا العدد؟!

أمراض كثيرة أصابت مجتمعنا، والاعلام عاجز عن علاجها رغم الطفرة التي تشهدها مصر في عدة مجالات ..ورغم التقدم المذهل في عالم الميديا والتكنولوجيا .. ورغم أن الأمراض واضحة وتم تشخيصها فقط مرارًا .. إلا أن مسألة تخصيص مساحة مناسبة لايجاد علاج وحلول علي حساب البرامج التافهة أصبحت مستحيلة في ظل هذا الشغف والشراهة بتقديم البرامج الساذجة المهينة ..

ورغم أن الدولة مشكورة زرعت كاميرات مراقبة في معظم المصالح الحكومية وشوارع المحروسة إلا أن السلبيات مازالت واضحة وتزداد .. المسئولون يرصدون مخالفات المواطن وسلبياته سريعًا ..  ولا يشاهدون الاتاوات والرشاوي التي تدفع في الشوارع والمصالح الحكومية لانجاز المصلحة او التغاضي عن مخالفة ركن صف ثاني..أو ركن في شوارع مُنع الانتظار فيها؟!.. سلبيات كثيرة بعيدة عن أعين الاعلام المتفرغ لموضوعات أخري فنية ورياضية مللنا منها ومن تفاهتها..

نحتاج لمساحات كبيرة مثل المساحات التي تخصص لبرامج “الطبخ” التي لا تخلوا قناة منها .. نحتاج مساحات مثل التي تخصص للاستديوهات التحليلية لمباريات عقيمة لاتستحق التعليق عليها أكثر من بضع دقائق .. نحتاج لمساحات يتم اختيارها بعناية في خرائط الاذاعة والتليفزيون لعلاج السلبيات التي تفشت في مجتمعنا وتنذر بكارثة .. نحتاج لمشاهدة رموز حقيقية تكون قدوة للشباب .. نحتاج لتغيير الدماء وظهور وجوه اعلامية جديدة تطل علينا في برامج التوك شو تكون بديلة للوجوه التي حفظناها منذ عشرات السنين ومللناها. نحتاج إلي ثورة في البرامج الثقافية التي اندثرت بفعل جاهل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى