آراء

تركمانستان بين طفرة الاستثمار وتحدي تنويع الاقتصاد

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي

Advertisement

حين أتأمل الأرقام الرسمية الصادرة من عشق آباد، أتوقف عند ما هو أبعد من قيمتها المالية؛ فهي لا تعكس حجم الإنفاق والاستثمار فحسب، بل تكشف أيضاً عن توجهات دولة تسعى إلى رسم مسار اقتصادي طويل الأمد، ضمن رؤية تقوم على الاستثمار في الإنتاج والبنية الأساسية وربط ذلك بأهداف اجتماعية وتنموية.

في الأيام الماضية، أعلن الرئيس التركمانستاني سردار بيردي محمدوف أن بلاده تعتزم استثمار أكثر من 41.2 مليار مانات، بما يعادل نحو 11.8 مليار دولار، بحلول نهاية عام 2026. ويأتي هذا المبلغ في إطار برنامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية والاستثمار للعام الجاري، على أن يوجه إلى إنشاء وتحديث المنشآت الصناعية والخدمية، إلى جانب تطوير البنية الأساسية والمرافق الاجتماعية.

Advertisement

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها عند النظر إلى طبيعة توزيع الاستثمارات. فقد خصصت 68.5% من أموال البناء هذا العام للمنشآت الإنتاجية، مقابل 31.5% للمرافق الاجتماعية، بما في ذلك قطاعات التعليم والرعاية الصحية والثقافة. ويعكس هذا التوزيع استمراراً في الأولويات التي ظهرت خلال الأعوام الماضية، مع التركيز على توسيع القاعدة الإنتاجية بالتوازي مع تطوير الخدمات الاجتماعية.

وفي السياق ذاته، يتوقع الرئيس أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 6.3% بنهاية عام 2026، مدفوعاً بزيادة الإنتاج في مختلف القطاعات. كما أشار إلى توفير نحو 5300 وظيفة جديدة خلال العام، في إطار مفهوم تطوير سوق العمل الممتد حتى عام 2030.

ولا تأتي هذه المستهدفات بمعزل عن برامج تنموية أطول مدى، في مقدمتها البرنامج الوطني للتنمية الاجتماعية والاقتصادية 2022-2052، وبرنامج تحسين الظروف المعيشية حتى عام 2028. كما أكد الرئيس ارتفاع إيرادات الميزانية نتيجة الإصلاحات الاقتصادية والتوجه نحو الابتكار، إلى جانب العمل على زيادة حصة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، مع التوجيه بالبدء فوراً في إعداد برنامج مماثل لعام 2027، بما يضمن استمرارية الأهداف والسياسات التنموية.

ومن منظور اقتصادي واجتماعي، تعكس هذه المعطيات مزيجاً من الطموح والاستثمار في المستقبل، لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالاً أساسياً يتعلق بمدى ترجمة الأموال المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس.

فالاستثمار في القطاعات الإنتاجية يمكن أن يسهم في إنشاء أصول جديدة وتحديث الصناعات القائمة، خصوصاً في مجالات الطاقة والكيماويات والنسيج والنقل، وهي قطاعات تمثل جزءاً مهماً من الهيكل الاقتصادي للبلاد. كما أن توجيه جزء من الإنفاق إلى الإسكان والتعليم والصحة والثقافة يرتبط مباشرة بتحسين الخدمات والظروف المعيشية للسكان.

أما التركيز على خلق آلاف الوظائف، فيمثل مؤشراً مهماً من الناحية التنموية، لكن أثره الحقيقي يرتبط بمدى قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل مستدامة ومتنوعة، لا تتركز بصورة أساسية في القطاعات التقليدية المرتبطة بالطاقة.

وفي المقابل، يبقى الاعتماد الكبير على موارد الهيدروكربونات أحد التحديات الهيكلية أمام الاقتصاد التركمانستاني. فأي تقلبات في أسعار الغاز أو صعوبات في تنويع أسواق ومسارات التصدير يمكن أن تنعكس على قدرة الدولة على تمويل برامجها الاستثمارية والتنموية.

وتتحدث التصريحات الرسمية عن دعم النشاط الريادي وزيادة مساهمة القطاع الخاص، غير أن قياس التطور الفعلي في هذا الجانب يحتاج إلى مؤشرات أكثر تفصيلاً، من بينها حجم مساهمة الشركات الخاصة في إجمالي الاستثمارات، ومعدلات نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وحصة القطاعات غير النفطية من الناتج المحلي الإجمالي وفرص العمل.

ومن دون بيانات مستقلة ومنتظمة حول هذه المؤشرات، يصبح من الصعب تقييم حجم التحول الفعلي في النشاط الخاص، والتمييز بين التوسع الحقيقي للقطاع الخاص والمشروعات التي تقودها الدولة أو الشركات الكبرى المرتبطة بها.

وفي هذا السياق، يبرز هالك مسلاهاتي، أعلى هيئة تمثيلية في البلاد، والتي يرأسها الرئيس السابق قربان قولي بيردي محمدوف، بوصفها إحدى المؤسسات التي تناقش بصورة منتظمة قضايا الميزانية والاستثمار والأولويات الاقتصادية. وقد ركزت اجتماعات سابقة، بينها اجتماعات عامي 2022 و2024، على موضوعات شملت استقرار العملة وسوق المال والتمويل الصناعي والزراعي.

ويعكس استمرار طرح هذه الملفات رغبة في ربط الخطط الاقتصادية السنوية بالأهداف التنموية الأوسع، إلا أن تقييم الأداء لا يتوقف عند إعلان البرامج، بل يتطلب كذلك معلومات أكثر تفصيلاً حول معدلات التنفيذ الفعلية، وحجم الإنجاز في المشروعات، وأبرز التحديات التي تواجهها، ومدى الالتزام بالجداول الزمنية المحددة.

ومن هنا، فإن نجاح خطة عام 2026 والاستعداد المبكر لبرنامج عام 2027 لا ينبغي أن يُقاسا بحجم الأموال المعلنة وحده. المعيار الأكثر أهمية يتمثل في قدرة هذه الاستثمارات على التحول إلى أصول إنتاجية مستدامة، وتوفير فرص عمل ملموسة في مناطق مختلفة، وتعزيز التنوع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للإيرادات.

إذا تحولت هذه الاستثمارات إلى نتائج واضحة على أرض الواقع، فإن الأرقام الرسمية ستكتسب دلالة اقتصادية وتنموية أكبر. أما إذا بقيت في إطار البيانات والخطط دون انعكاس ملموس على النشاط الاقتصادي ومستوى المعيشة وتنوع مصادر النمو، فستظل أهدافاً طموحة تحتاج إلى متابعة مستمرة وقياس دقيق للنتائج.

في النهاية، تقدم تركمانستان نموذجاً لدولة تسعى إلى الحفاظ على وتيرة مرتفعة من الاستثمار وربطها ببرامج اجتماعية واقتصادية تمتد لسنوات طويلة. وتستحق الأرقام المعلنة المتابعة، ليس فقط لحجمها، وإنما لما تكشفه من أولويات اقتصادية واضحة.

غير أن المعيار الحقيقي لأي برنامج تنموي يبقى في النتائج التي تظهر على الأرض: في المصانع والمنشآت الجديدة، وفي سوق العمل، وفي مستوى الخدمات، وفي قدرة الاقتصاد على بناء قطاعات أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على مورد واحد. ومن هذه الزاوية، ستكون السنوات المقبلة اختباراً مهماً لمدى قدرة الاستثمارات المعلنة على التحول إلى نمو اقتصادي مستدام وتنمية ملموسة.

عبدالحميد حميد الكبي

كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى