العنونة والهوية

بقلم : د. صالح الفهدي
يطالعك اسم منطقة من المناطق فلا تعلم ما هو معناه، فلا تلقي له بالًا، أو أنك ستمتعض لأن الاسم لم يرق لك. وأذكر هنا أنني طالعت فهرسًا لأسماء المناطق في المكتب السابق لمستشار جلالة السلطان للتخطيط الاقتصادي معالي محمد الزبير، فقلت له: هذا كتاب مهم؛ لأن السائر في بعض الشوارع –ومنها شارع الباطنة على سبيل المثال– تمر عليه أسماء مناطق لا يعرف معانيها. قال معاليه: بالفعل، هذا هو السبب الذي دفع السلطان قابوس –رحمه الله– لأن يطلب مني عمل هذا الفهرس الخاص بمعاني أسماء المناطق.
في الحقيقة، إن أسماء الشوارع والمدن ليست مجرد رموز عنونة، ولا علامات إرشادية تسهل الوصول إلى مكان ما، بل هي امتداد للهوية، وأسماء ذات دلالة ثقافية وتأريخية تعكس هوية المجتمع وتاريخه ووعيه بذاته. فالعنونة، في جوهرها، فعل حضاري يتجاوز الوظيفة العملية إلى بناء الذاكرة، وترسيخ الانتماء، وصياغة العلاقة بين الإنسان والمكان.
وحينما كنت عضوًا في لجنة تسمية المدن والشوارع بولاية السيب، اقترحت أسماءً لشوارع يسرني أن أراها اليوم راسخةً، لا في اللوائح الإرشادية وحسب، وإنما في الذاكرة المجتمعية. وقد أردت بهذه الأسماء أن ترسخ قيمًا نبيلةً في المجتمع، ومنها: شارع السلام، شارع الخير، شارع النور، شارع البركات، شارع مزون، شارع العطاء. “هذه المسميات ليست مجرد كلمات، وإنما هي قيم تتجذر في النفس، فتنعكس في شخصية الإنسان دون أن يدرك ذلك، متسللةً إلى عقله الباطن.”
لقد كان للسلطان قابوس –طيب الله ثراه– كثير من المآثر في تغيير أسماء مناطق، بعضها كان مشينًا أو سلبيا أو متشائمًا، إلى أسماء تثير في النفس الابتهاج والإيجابية. ولا شك أن اسم المنطقة التي ينتمي إليها أفراد معينون يشكل هاجسًا نفسيا لهم، خاصةً إن كان الاسم مما لا يستحسن نطقه. وقد شكا لي أحد الإخوة ذات مرة من أنه ينتمي إلى منطقة ذكر لي اسمها، مضيفًا أنه وغيره يستحيون نطق اسمها الذي تم تحويره عن اسمه القديم الذي كان له معنًى إيجابيا. فاقترحت عليه أن يعود إلى أية وثائق قديمة تذكر الاسم القديم للمنطقة، وأن يرفع ذلك إلى الوالي والمحافظ لتغيير المسمى.
لم يعد السؤال: هل علينا أن نتمسك بأسماء لا معنى لها بعد أن أصابها التشويه، فحرفت لفظيا مع مرور الزمن؟ لأنه بالفعل قد تم تغيير بعض المسميات -دون ذكرها هنا-، وهي مبادرة تصحيحية موفقة، وقد رأينا كيف أن بعض المسميات تحولت إلى النقيض الإيجابي، بمعنًى وازن، ونطق مريح، مثل (حي الورد)، و(العافية)، و(الجود)، و(العفيفة)، و(منال)، دون حاجة إلى الإشارة نحو أسمائها المشينة سابقًا.
إن الشارع الذي سمي بناءً على قيمة معينة، أو على اسم عالم من العلماء، والمدينة التي سميت باسم له دلالة ثقافية، والمعلم الطبيعي أو الصرح الحديث الذي سمي باسم له وزنه وقيمته وأثره، كل ذلك يدل على أن المجتمع لا يسكن مجرد قطعة جغرافية جامدة، وإنما يعيش في قصة لها مدلولها، وثقافة لها عمقها.
وإذا كان أسلافنا قد سموا القرى والمدن، فإننا أيضًا يجب أن نختار الأسماء الصائبة لمدننا الحديثة. وأذكر هنا الاسم الجميل الذي اختاره جلالة السلطان هيثم بن طارق –حفظه الله– لمدينة الطيب بولاية لوى، وهو اسم يعكس إحدى مزايا الإنسان العُماني الذي اتصف بالطيب.
وفي المقابل، علينا أن نبعد كل اسم ليس له دلالة، أكان ذلك الاسم عربيا أم أجنبيا؛ فتلك المسميات –وخصوصًا الأجنبية منها– “إنما تتجنى على ثقافة المجتمع، وتعمل على تغيير قيمه وتحريف مساره الحضاري.”
يحتاج الإنسان إلى كل ما يصل ذاكرته بجذوره الثقافية، وعلى ذلك تصبح العنونة وسيلةً خفيةً للتربية، تغرس المعاني دون خطاب مباشر.
ومن نافلة القول “أن المدن التي تحسن اختيار أسماء شوارعها وأحيائها ومعالمها، لا تنتج لوائح إرشاديةً فحسب، بل تنتج ذاكرةً جمعيةً تسهم في تعزيز الثقافة وترسيخ الهوية؛” فحين تنتشر أسماء العلماء والمفكرين والمصلحين، تستدعى القدوات التي يفترض الاقتداء بها في الحياة اليومية، وحين تستحضر القيم كالسماحة والوفاء والكرم والطيب، تتحول الشوارع إلى فضاء تربوي يعزز الأخلاق العامة. أما حين تستدعى الطبيعة بما فيها من جماليات ذات دلالة، فإنها تبقي الصلة حيةً بين الإنسان وبيئته، حتى وهو يعيش في فضاء عمراني حديث.
وفي المقابل، فإن عدم الاعتناء بأهمية العنونة، أو اختزالها في أرقام جامدة، أو أسماء بلا قيمة ولا معنًى، فإن ذلك يفضي إلى فراغ رمزي يفقدها روح الهوية؛ فالشارع الذي يعرف برقم أجوف لا يروي قصةً، ولا يوقظ ذاكرةً، ولا يسهم في بناء الانتماء، والقرية أو الحي أو المدينة التي لا تحمل اسمًا له معنًى لا تعزز الارتباط بالذاكرة التأريخية للإنسان بالأرض. ومع مرور الزمن، تتشكل علاقة فاترة بين الإنسان ومحيطه، وكأن المدينة مجرد مساحة للمرور لا رمزًا للهوية التأريخية.
إن القيمة الخفية للعنونة هي أنها أداة لحفظ التأريخ من النسيان؛ إذ تخلد الشخصيات والأحداث والقيم، وتمنحها حضورًا دائمًا في الوعي العام، مذكرةً الناس في مرورهم اليومي بما تشتمل عليه تلك المسميات من عمق ثقافي، محولةً فضاء المدينة –أو الوطن عامةً– إلى متحف مفتوح، لا تعرض فيه اللقى والآثار فحسب، وإنما تعرض فيه دلالات ومعاني الهوية الاجتماعية التأريخية.



