ثقافة وفن

السينما الفرانكفونية.. من اللغة إلى فضاء عالمي لتعدد الثقافات والهويات

بقلم : هانم داود

Advertisement

تُعد السينما الفرانكفونية مفهوماً واسعاً يتجاوز حدود السينما الفرنسية بالمعنى التقليدي، إذ لا تقتصر على الأفلام التي تنتج داخل فرنسا، وإنما تشمل مختلف الأعمال السينمائية الناطقة باللغة الفرنسية، أو التي تشكل الفرنسية إحدى أدواتها الأساسية في التعبير، والتي تُنتج في مناطق متعددة من العالم.

ويمتد هذا الفضاء السينمائي إلى دول إفريقية عدة، وبلجيكا، وكندا، ولا سيما مقاطعة كيبيك، وسويسرا، إلى جانب تجارب سينمائية في مناطق أخرى. ومن ثم، أصبحت السينما الفرانكفونية مرآة للتنوع الثقافي وتعدد الهويات، ومساحة فنية للتعبير عن قضايا ما بعد الاستعمار، والهجرة، والذاكرة، والصراعات الإنسانية والاجتماعية.

Advertisement

مفهوم السينما الفرانكفونية وامتداداتها

يمكن النظر إلى السينما الفرانكفونية بوصفها السينما التي تستخدم اللغة الفرنسية أداة رئيسية للتعبير، بصرف النظر عن جنسية المخرج أو مكان إنتاج الفيلم، وهو ما يمنحها امتداداً جغرافياً وثقافياً يتجاوز الحدود الفرنسية.

ويكمن أحد أبرز عناصر قوتها في تنوعها الثقافي؛ فهي تجمع تجارب سينمائية تنتمي إلى قارات ومجتمعات مختلفة، وتقدم رؤى فنية متباينة، تمزج بين الإرث السينمائي الأوروبي والتجارب الثقافية في دول العالم، خصوصاً في إفريقيا الفرانكفونية.

كما تؤدي المؤسسات والمنظمات المعنية بالفرنكفونية دوراً مهماً في دعم الإنتاج السينمائي وتمويله وتوزيعه، إلى جانب برامج وصناديق الدعم المشترك، بما يسهم في تعزيز حضور هذه السينما والمحافظة على تعدد أصواتها في مواجهة هيمنة الإنتاج التجاري واسع الانتشار.

محطات تاريخية بارزة

تعود البدايات الأولى للسينما إلى فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر، حيث ارتبط ظهور الفن السابع بتجارب الأخوين لوميير، اللذين قدما أول عرض سينمائي عام 1895، لتبدأ من هناك رحلة السينما الفرنسية واللغة الفرنسية مع هذا الفن الجديد.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين، برز تيار الواقعية الشعرية، الذي قدم أعمالاً اتسمت بالاهتمام بالهموم الاجتماعية والطبقة العاملة والدراما الإنسانية، مع توظيف لغة بصرية ذات طابع شعري، وبرز خلال هذه المرحلة مخرجون من بينهم جان رينوار.

ومع أواخر خمسينيات القرن العشرين والستينيات، جاءت الموجة الجديدة لتحدث تحولاً جذرياً في مفهوم صناعة الفيلم، بعدما تمردت على القوالب التقليدية في الكتابة والإخراج والسرد. وبرز في هذا السياق مخرجون ونقاد مثل فرانسوا تروفو، وجان لوك غودار، وكلود شابرول، وأسهموا في ترسيخ مفهوم «مؤلف الفيلم»، ومنح الكاميرا والسرد مساحة أكبر من الحرية والتجريب.

ومنذ أواخر القرن العشرين وحتى اليوم، اتسع مفهوم السينما الفرانكفونية ليشمل أصواتاً سينمائية من خارج فرنسا، خصوصاً من المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء وكيبيك، لتتحول إلى مساحة أوسع لطرح قضايا الهجرة والهوية والذاكرة التاريخية والاندماج والتغيرات الاجتماعية.

الخصائص الفنية والموضوعية

تتميز السينما الفرانكفونية بعدد من السمات التي أسهمت في تكوين هويتها الفنية والفكرية، وفي مقدمتها سلطة المؤلف، إذ يُنظر إلى الفيلم باعتباره عملاً فنياً يعكس رؤية المخرج الفكرية والفلسفية، على غرار اللوحة في الفن التشكيلي أو الرواية في الأدب.

كما تحظى الشخصيات بالعمق النفسي، مع اهتمام واضح بتحليل دوافعها وعلاقاتها الإنسانية، بعيداً عن الاعتماد الكامل على الحبكات التقليدية أو الإبهار البصري التجاري.

وتتسم هذه السينما كذلك بالاشتباك المباشر مع الواقع والقضايا السياسية والاجتماعية، إذ تتناول موضوعات التهميش والهوية والحرية الفردية، وتقترب من القضايا الحساسة والتابوهات الثقافية، في محاولة لطرح الأسئلة ومناقشة التحولات التي تشهدها المجتمعات.

وعلى المستوى الجمالي، تميل العديد من الأعمال إلى استخدام مواقع التصوير الحقيقية خارج الاستوديوهات، والاستفادة من الإضاءة الطبيعية، إلى جانب التجريب في المونتاج والسرد وكسر بعض القواعد التقليدية في بناء الفيلم.

وبذلك، تتجاوز السينما الفرانكفونية كونها مجرد صناعة ترفيهية أو وسيلة لترويج لغة بعينها، لتتحول إلى فضاء حضاري مفتوح للحوار بين الثقافات والشعوب. وبفضل قدرتها على التجدد والتفاعل مع القضايا المعاصرة، حافظت على حضورها في المشهد السينمائي العالمي، وقدمت تجارب وأصواتاً مختلفة تركت أثراً في مسيرة الفن السابع.

السينما الفرانكفونية في العالم العربي.. تونس والمغرب نموذجاً

تمثل دول شمال إفريقيا، وفي مقدمتها المغرب وتونس والجزائر، ركناً مهماً وجسراً حيوياً داخل الفضاء السينمائي الفرانكفوني. وبحكم الإرث التاريخي واللغوي الذي تشكل خلال المرحلة الاستعمارية وما بعدها، نشأت في هذه البلدان تجارب سينمائية غنية تتفاعل مع العربية والفرنسية، وتعكس تعقيدات الهوية وأسئلة الانتماء وتبعات مرحلة ما بعد الاستعمار.

وفي هذا السياق، يبرز النموذجان التونسي والمغربي باعتبارهما من أكثر التجارب السينمائية الفرانكفونية العربية حضوراً وحيوية على المستويين الإقليمي والدولي.

الجذور والتطور التاريخي للسينما الفرانكفونية المغاربية

ارتبطت البدايات الأولى للصورة السينمائية في المنطقة المغاربية خلال المرحلة الاستعمارية بإنتاجات وعروض فرنسية كانت تقدم المنطقة غالباً من منظور استشراقي، قبل أن تبدأ ملامح سينما وطنية في التشكل مع حصول دول المنطقة على استقلالها خلال منتصف القرن العشرين.

ومع الاستقلال، اتجهت الدول المغاربية إلى بناء صناعة سينمائية تعبر عن هويتها الوطنية وقضايا مجتمعاتها، مع استمرار بعض الروابط المؤسساتية والتقنية والإنتاجية مع فرنسا.

وفي مرحلة لاحقة، ساهمت الإنتاجات المشتركة وتكوين جيل جديد من المخرجين الذين تلقوا دراساتهم السينمائية في المؤسسات والمعاهد الفرنسية في تعزيز التعاون السينمائي بين الجانبين، وفتح المجال أمام وصول عدد من الأفلام المغاربية إلى المهرجانات السينمائية الدولية الكبرى، ومنها مهرجانا كان وفينيسيا.

أبرز السمات والموضوعات

تحتل إشكالية الهوية المزدوجة والاغتراب موقعاً بارزاً في السينما المغاربية الفرانكفونية، حيث تستكشف العديد من الأفلام حالة الإنسان الذي يجد نفسه بين ثقافة الأصل العربية والإسلامية والمحلية، وبين ثقافة المهجر أو التأثير الفرنسي، وهو ما يظهر بصورة خاصة في الأعمال التي تتناول الهجرة والاغتراب.

كما تتناول هذه السينما عدداً من القضايا الحساسة، مثل الحرية الفردية وحقوق المرأة، والعلاقة بين الحداثة والتراث، والبيروقراطية والواقع السياسي والاجتماعي، إلى جانب القضايا التي ظلت لفترات طويلة ضمن دائرة المسكوت عنه.

وتحضر الذاكرة والتاريخ بقوة أيضاً، من خلال إعادة قراءة المرحلة الاستعمارية وآثارها النفسية والاجتماعية على الأجيال المتعاقبة، ولكن من منظور محلي يسعى إلى مساءلة الماضي وفهم انعكاساته على الحاضر.

وتشكل الازدواجية اللغوية سمة أخرى واضحة، إذ تتجاور اللهجات المحلية والعربية مع اللغة الفرنسية في الحوار، بحسب الشخصيات والسياقات الاجتماعية، الأمر الذي يمنح كثيراً من هذه الأعمال واقعية تعكس طبيعة المجتمعات المغاربية وتنوعها اللغوي والثقافي.

نماذج بارزة ومخرجون رواد

السينما التونسية

تتميز السينما التونسية بجرأتها في تناول القضايا الاجتماعية والفكرية، وبقدرتها على طرح الأسئلة المتعلقة بالهوية والتحولات السياسية والمجتمعية. وبرز فيها عدد من المخرجين الذين تركوا بصمتهم في المشهد السينمائي، من بينهم عبد اللطيف بن عمار ونوري بوزيد، الذي تناول في أعماله قضايا الهوية والتطرف والتحولات الاجتماعية.

كما برزت أسماء معاصرة حققت حضوراً دولياً لافتاً، من بينها المخرجة كوثر بن هنية، التي وصلت أعمالها إلى المنافسة على جوائز عالمية، ومن أبرز أفلامها «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».

السينما المغربية

تتميز السينما المغربية بغزارة إنتاجها وتنوع تجاربها، إلى جانب وجود منظومة دعم ساهمت في تطورها واستمرار حضورها. وبرز فيها مخرجون من أجيال مختلفة، من بينهم أحمد البوعناني ومومن السميحي، وصولاً إلى أسماء معاصرة مثل نبيل عيوش ومريم توزاني، اللذين قدما أعمالاً تناولت قضايا المجتمع والشباب والهوية والعلاقات الإنسانية، وأثارت في بعض الأحيان نقاشات واسعة حول عدد من القضايا الاجتماعية والثقافية.

وهكذا، تجاوزت السينما الفرانكفونية في العالم العربي، ولا سيما في تونس والمغرب، فكرة كونها مجرد امتداد أو صدى للثقافة الفرنسية، لتصبح منصة فنية مستقلة تحمل صوتاً عربياً ومغاربياً إلى العالم بلغة وأدوات سينمائية ذات حضور عالمي.

وقد نجح صناع الأفلام في هذه التجارب في توظيف الفضاء الفرانكفوني للتعبير عن تحولات مجتمعاتهم، واستعادة ذاكرتهم، ومناقشة قضاياهم بحرية وجرأة، لتؤكد السينما قدرتها على أن تكون جسراً بين الثقافات، ووسيلة لإعادة اكتشاف الذات والآخر، وليس مجرد لغة مشتركة تجمع بين صناعها.

السينما
هانم داود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى