قراءة في كتاب

لماذا لاتستطيع الأمم إطعام نفسها

لن يقرأ أحد كتاب صناعة الجوع دون أن يتحفز عقله ويثور قلقه ويعيد النظر في أمور كثيرة كان يأخذها من قبل مأخذ الجد والأمر الواقع أو أنها من المسلمات التي لاتناقش ، إنه كتاب كفيل بأن يقضي على هدوء البال واسترخاء الأعصاب ورتابة الفكر ، وأجمل مافيه أنه يفعل ذلك بموضوعية كاملة وبطريقة سلسة في العرض تتسم بالهدوء ، وأحيانا بالبرود الشديد ، فلن تجد فيه شعارات ولاتعبيرات صارخة ولادعايات أيديولوجية ، بل ستجد فيه حقائق علمية موضوعية ومشاهدات مباشرة ، ومع ذلك ستخرج من قراءته وقد مررت بصدمة فكرية تستفزك وتدفعك إلى مراجعة أمور كثيرة ، إن الكتاب يتعلق بأكثر الموضوعات مساسا بحياة الإنسان ، موضوع الغذاء والحصول على الخبز.

إن تشخيص الجوع بأنه نتيجة لندرة الغذاء والأرض ، هو لوم للطبيعة على مشكلات من صنع البشر ففي العالم يوجد على الأقل 500 مليون من البشر سيئ التغذية أو من الجائعين ، هذا الجوع يوجد في مواجهة الوفرة وهنا تكمن الإهانة ، ومن الطرق التي يمكن بها إثبات أن ندرة الأرض والغذاء ليست هى السبب الحقيقي للجوع، توضيح أنه لاتوجد ندرة في أى منهما ، والطريقة الثانية هى شرح مايسبب الجوع فعلاً والكاتب يوضح ذلك في محتويات الكتاب

هل بنجلاديش هي الاستثناء ؟

بنجلاديش بالنسبة للكثيرين هي النموذج النمطي لبلد طغى تعداده السكاني ببساطة على موارده لإنتاج الغذاء ،إذ يعيش 160 مليونا من البشر في بلد بحجم إنجلترا وويلز، ولهذا فحتى حين كانت دراساتنا لبلدان من مختلف أنحاء العالم تكشف لنا في حالة بعد الأخرى أن الحدود الفيزيائية اﻟﻤﺠردة ليست هي سبب الجوع اعتقدنا أن بنجلاديش قد تكون استثناء لكنها ليست كذلك، فحتى في الوقت الحاضر بمواردها التي تعاني من قلة الاستخدام الفظيعة تنتج بنجلاديش من الغلال وحدها ما يكفي لتزويد كل فرد في البلاد بما لا يقل عن ٢٣٠٠ سعر حراري يومياً ، إلا إن أكثر من نصف العائلات في بنجلاديش طبقا لأرقام البنك الدولي تستهلك اقل من 1500سعر حراري للفرد وهو الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة ويعاني ثلثا السكان من نقص البروتينات والفيتامينات.

إذا كان ما ينتج كافيا فلماذا إذن لا يأكل الجياع في بنجلاديش ؟ ما هي المشكلة إذن ؟

وهكذا يتناول الكاتب بلغة رائعة وإقناع بالغ  تفاصيل كثيرة ليثبت من خلالها أنه لاتوجد ندرة في الأرض ولا في الموارد الطبيعية، بل كلها عقبات مصطنعة نتيجة  سوء إدارة أو سيطرة على الموارد من فئات بعينها واستفحال الجشع والطمع في أماكن أخرى، ويتعرض الكاتب في فصول هذا الكتاب الرائع إلى سؤال هل البشر عقبة أم مورد؟!، وكذلك يتعرض لمسألة تحديد النسل وتحديد الثروة ، ويقول من المؤكد أنه ليس مما يساعد شعوب العالم الثالث أن تكون لهم عائلات كبيرة أليس كذلك ؟ ألا يزداد فقرهم وجوعهم كلما ازداد أطفالهم؟ هذان السؤالان يوحيان بأن الناس في البلدان المتخلفة يريدون العائلات الكبيرة نتيجة الجهل بمصالحهم ، لكننا وجدنا أن الأسباب التي تدفعهم إلى زيادة حجم عائلتهم تعكس عجزهم وبؤسهم وليس جهلهم ، فمعظم عائلات العالم الثالث ريفية ، وعادة ما يعتمد البقاء بالنسبة لهم على أن يكون لهم أطفال يكسبون طعاما أو دخلا إضافيا للعائلة ويتيحون تأميناً أدنى للشيخوخة للآباء، وهكذا يسرد الكاتب مايؤكد صدق أفكاره وقوة حجته مروراً بالغذاء مقابل تجارة السموم والجفاف واحتكار المعلومات والجفاف في أفريقيا والعقلية الاستعمارية ولعبة التبادل التجاري ويختتم المؤلف كتابه بمقولات مأثورة منها لقد سمعت.. .. أن الناس قد يصبحون معتمدين علينا في غذائهم ، أعلم أن ذلك لم يكن من المفروض أن يكون خبراً طيباً ، لكن بالنسبة لي كان خبراً طيباً لأن الناس قبل أن يستطيعوا عمل أي شيء يجب أن يأكلوا ، وإذا كنت تبحث عن طريقة تجعل الناس يستندون عليك ويعتمدون عليك بمعنى تعاونهم معك فيبدو لي أن الاعتماد الغذائي سيكون رائعا “السناتور هيوبرت همفري ”

الكتاب : صناعة الجوع – ترجمة : أحمد حسان

المؤلف : فرنسيس مورلاييه – جوزيف كولينيز

عدد الصفحات : 377 من القطع المتوسط

الناشر : عالم المعرفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى