رياضة عالمية

وداعا مارادونا .. أحرف من لعب كرة القدم

غيب الموت دييجو أرماندو مارادونا الأيقونة الأرجنتينية الذي لم تنجب الملاعب لاعبا يقترب من مهاراته، مارادونا الذي أعطى لرياضة كرة القدم الكثير من المتعة والشغف، وكان أحد الأساطير الذين ساهموا في نشر اللعبة وزيادة أعداد المتابعين لها ليتجاوزوا المليارات حول العالم.
توفى الأسطورة الأرجنتينية في منزله عن عمر يناهز الـ 60 عاماً، عقب تعرضه لسكتة قلبية وفقاً لوسائل الإعلام الأرجنتينية.
ونعى نجم كرة القدم الأرجنتيني ليونيل ميسي مهاجم برشلونة الإسباني مواطنه مارادونا ، وذكر على صفحته بموقع “فيسبوك” للتواصل الاجتماعي: “كان يوما حزينا على كل الأرجنتينيين وعلى كرة القدم. تركنا ولم يرحل عنا لأن دييجو باق للأبد”، وأضاف : “أعتز بكل اللحظات الجميلة التي عشتها معه وأريد أن أبعث بالتعازي لجميع أفراد عائلته وأصدقائه”.
كما كتب كريستيانو رونالدو عبر مواقع التواصل الاجتماعي قائلاً “اليوم أقول وداعًا لصديق، والعادل يقول وداعًا لصاحب العبقرية الأبدية”.
وتابع “واحد من الأفضل على الإطلاق، ساحر لا مثيل له”.
واختتم “غادر مبكراً، لكنه ترك إرثاً بلا حدود، وفراغاً لن يُملأ أبداً، ارقد في سلام، لن ننساك أبداً”.
وعبر محمد أبو تريكة عن حزنه وقال في حسابه على “تويتر” : “توفي دييجو أرماندو مارادونا، كرة القدم حزينة، والعالم حزين لرحيل أفضل من لمس الكرة وأمتع عشاقها، يوم حزين”.
ونعاه جوزيه مورينيو مدرب فريق توتنهام هوتسبير الإنجليزي برسالة مؤثرة أرفقها بصورة له مع مارادونا مُعلقاً :”أيها الدون دييجو.. صديقي الودود سأفتقدك كثيراً”، ونشر ريو فيرديناند مدافع مانشستر يوناتيد المعتزل عدة صور له مع مارادونا مع رسالة على حسابه على تويتر.
كتب فيها : “مارادونا هو البطل المُفضل بالنسبة لي في كرة القدم، قليلون من كان لهم تأثير عبر الأجيال مثل هذا الرجل، لقد كان مميزا وقائداً وانتصارياً، وأحد أهم أسباب لعبي كرة القدم، ارقد في سلام يا دييجو”.
ونشر حساب المنتخب الإنجليزي عبر “تويتر” صور لمارادونا ضد منتخب الأسود الثلاثة في بطولات كأس العالم مع تعليق: “لا يُنسى، وداعاً مارادونا، أسطورة لعبتنا”.
ونشر أسطورة كرة القدم الإيطالية أندريه بيرلو، مدرب فريق يوفنتوس صورة لدييجو مع كأس العالم مُعلقاً: “إله كرة القدم رحل، شكراً على كل شيء يا مارادونا”.
وأكد هاري كين مهاجم المنتخب الإنجليزي وفريق توتنهام هوتسبير أنه تشرف بلقاء مارادونا، ناشراً صورًا تجمعه بالأسطورة الراحل، معلقاً :”أخبار حزينة جداً، ارقد في سلام يا دييجو”.
أسطورة كوت ديفوار وتشيلسي ديديه دروجبا علق على وفاة مارادونا مع صورة بالأبيض والأسود لدييجو مع كأس العالم، :”ارقد في سلام يا مارادونا، أول قميص كرة قدم ارتديته كان لك، أنت الرجل الذي كان وراء حبي لكرة القدم”.
كما عبر الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم عن عميق حزنه في بيان رسمي، مشيراً إلى أن دييجو أرماندو مارادونا سيظل دائماً في قلوب الأرجنتينيين.
جاري لينكر نجم المنتخب الإنجليزي السابق نعى زميله مارادونا قائلاً: “دييجو أفضل لاعب بمسافة كبيرة في جيلي، وهو الأفضل عبر كل العصور، أتمنى أن يكون وجد الراحة بين يدي الله”.
وكان مارادونا قد أجرى عملية جراحية في الأرجنتين مطلع الشهر الجاري عقب تعرضه لنزيف في المخ، وخرج بعد 8 أيام من المستشفى، وكشف التصوير المقطعي حينها وجود ورم دموي يعرف باسم نزيف في الدماغ.
آخر عمل قام به مارادونا، هو تدريب فريق خيميناسيا لابلاتا الأرجنتيني وقاد الفريق في الجولة الأولى من مسابقة كأس الدوري الأرجنتيني في 31 أكتوبر الماضي والذي وافق عيد ميلاده الـ 60، قبل أن يدخل المستشفى بعد عدة أيام.
مارادونا الذي عرُف في مسيرته بـ “الفتى الذهبي” بدأ مسيرته الكروية الاحترافية في العام 1976 بقميص أرجنتينوس جونيورز حتى العام 1981، وحصد جائزة أفضل لاعب في أمريكا الجنوبية عامي 1979 و1980.
ثم حقق حلمه بارتداء قميص بوكا جونيورز عام 1981 محققا لقب الدوري الأرجنتيني لمدة موسم واحد قبل أن تطئ أقدامه القارة العجوز.
دييجو انتقل إلى برشلونة الإسباني مقابل 6 ملايين جنيه أسترليني وهو رقم خرافي لانتقال اللاعبين وقتها، وأصبح أغلى لاعب في العالم في ذاك الوقت وخلال موسمين حقق مع البرسا 3 ألقاب.
في تلك الفترة تعرض مارادونا لإصابات قوية نتيجة الخشونة المبالغ فيها من المنافسين ودخل صراعات دامية أبرزها في نهائي كأس ملك إسبانيا 1984 مع أندوني جويكوتشيا لاعب أتلتيكو بلباو، والذي عُرف بـ “جزار مارادونا”.
انتقل في صفقة تاريخية إلى نابولي الإيطالي، ليحول الفريق إلى واحد من كبار الأندية الإيطالية، محققا لقب الدوري الإيطالي مرتين ويقود الفريق لحصد لقب كأس الاتحاد الأوروبي لأول مرة في تاريخه.
7سنوات قضاها مارادونا، في جنوب إيطاليا هي الأفضل في تاريخ الأسطورة على مستوى الأندية أصبح خلالها الهداف التاريخي للنادي برصيد 115 هدفا.
ولد مارادونا في 30أكتوبر 1960م في مكان قريب من العاصمة بوينس آيرس، منطقة تسمى “فيا فيوريتو” ، حي فقير، مُهمَل، لا خدمات، لا شوارع مُمهدة، لا مياه شرب، ولا صرف صحيًا، صرخ مارادونا صرخته الأولى في بيئة قاسية للغاية، وَلد خامسا بعد أربع بنات، وصلوا في الخاتمة إلى ثمانية إخوة متتاليين، يعيشون في الكوخ، يستيقظ والده في الرابعة فجرا، وكان عاملًا متواضعًا بأحد المصانع، ليعود من العمل في الليل منهكًا، وينام أمام أعين أطفاله الجائعين.
في سن 3 سنوات، تلقى مارادونا أولى هداياه، هدية نفيسة جدًا، كرة قدم! أدخلت هوسًا في عقل الطفل الأرجنتيني، باتت لعبته المفضلة، ولا شيء سواها، كأن الصغير وجد فيها خلاصه.
أظهر مارادونا موهبة استثنائية، لينضم إلى نادي أرجنتينوس جونيورز وهو في سن الرابعة عشرة ، والذي استأجر له منزلًا، كان على بُعد 10 دقائق من الملعب، تقول أخته إنها كانت فرصة كبيرة للعائلة، انتقلت الأسرة جميعها إليه، وكان هذا إيذانًا ببلوغ الصغير حلمه الأول، قال الطفل منذ البداية إنه لعب الكرة ليشتري منزلًا لأهله، وحتى لا يعود لحي فيوريتومرة أخرى ، فيما بدا مارادونا في الملعب غير عادي بالمرة ، حطم أرقامًا قياسية داخل النادي الملقب بـ”الحشرة”، ليحمل ملعبه اسم دييجو أرماندو مارادونا إلى الآن، وينقله تفرده إلى سباق محموم عليه من قبل ناديي القمة في الدوري الأرجنتيني، وبينهما شقاق تاريخي لا يهدأ، فضل مارادونا اللعب لنادي بوكا جونيورز عام 1981، ذاك الذي يطلق عليه الأرجنتينيون محبوب الفقراء، على اللعب بنادي ريفربليت أكثر الأندية تحقيقًا للبطولات المحلية، المدعوم من الأغنياء، ليبلغ حلمًا آخر عبر عنه الطفل الأرجنتيني قبل الشهرة، توهج نجمه باللعب مع الـ”بوكا”، ليضيء سماءها، ويصبح زعيمًا شعبيًا للولهانين، كفارس جاء مُخلصهم!
سعى برشلونة لاقتناص نجمة كهذه، تعاقد مع مارادونا مقابل 8 ملايين من الدولارات، أكبر عقد في تاريخ كرة القدم حينها، كما كان مبلغ التأمين على قدميه يفوق العقل والخيال، لكن برشلونة، النادي البرجوازي، لم يقدر العشوائي ابن ضواحي بوينس آيرس، حتى وإن دفع فيه الغالي والنفيس، في سبتمبر 1982، أصيب مارادونا في لعبة خشنة أمام نادي أتلتيك بلباو، لم يعانِ دييجو من وجع الإصابة فقط، آلمه إهمال النادي أكثر، تُرك اللاعب دون سيارة إسعاف تنقله لإجراء عملية جراحية، فعاد إلى الأرجنتين، بلده، هناك وسط أسرته، أجرى الجراحة ليعاود أرض الملعب في إسبانيا!
بعد 106 أيام من عمليته الجراحية، كان مارادونا على موعد مع مباراة جديدة ضد نفس الفريق، لكن بدا أن نوايا الأسبان لم تتغير! تعرض لضربات خشنة متتالية من لاعبي المنافس، ليثور غضب وعصبية ابن القارة الجنوبية، ليفقد اللاعب سيطرته على نفسه، ويتحول الملعب إلى ساحة للشبيحة، ضرب بالأيدي والأرجل من كل نوع أمام أعين ملك وملكة أسبانيا، حتى وصل برشلونة لقناعة: “لابد من التخلص من مارادونا”، الذي يبدو وقتها أنه بدأ طريق تعاطي المخدرات.

وجاء الرد من إيطاليا، قدم نادي نابولي عرضا مناسبا لاستقدام مارادونا إلى المدينة الجنوبية، وهنا تناثرت الشائعات عن تمويل “كامورا” الاسم المحلي للمافيا الإيطالية لصفقة الانتقال، رغم نفي رئيس النادي.
لم يكن مارادونا يعرف نابولي، يقول إنه علم بأن هناك فريقًا يرغب في شراء خدماته، فوافق، “طلبت منزلًا لكني حصلت على شقة، طلبت فيراري لكني حصلت على فيات، كل شيء تم تخفيضه” قال ذلك بلسانه، رغم ذلك أحس اللاعب براحة أكبر من برشلونة، كل عمالقة الكرة كانوا يذهبون إلى شمال إيطاليا، إلى “إيه سي ميلان”، “إنتر ميلان”، “يوفنتوس”، ووجد نفسه في نابولي! فريق لم يربح الدوري قط، ولم يكن يبحث عن نجاح. لكن مارادونا كان سعيدًا بداخله، هو الذي قال ذلك ، كان النابوليون “إفريقيا إيطاليا”، “المتسخون”، “الفلاحون”، في أي مكان يذهبون إليه يُرفع في وجوههم اللافتات العنصرية، “اغتسلوا”، “أهلًا بمرضى الكوليرا” كتبها جمهور إنتر ميلان في إحدى المباريات، كان ذلك “مقززًا”، شعر الأرجنتيني أنه يمثل “جزءًا من إيطاليا المهمشة”.
القتال ضد التمييز كان وقودًا استخدمه مارادونا دائمًا، ظهر كما لم يظهر من قبل، تألق كما لو كان ليس إنسانًا عاديًا، عام 1986، حصد نابولي الدوري الإيطالي، لأول مرة في تاريخه، عمّ الرقص شوارع المدينة الجنوبية، تغطت السماء بالألوان الزرقاء والمفرقعات، يقول مارادونا : “ركبت الدراجة مع زوجتي وذهبنا للاحتفال في وسط المدينة، مررت بجانب المقبرة، وكان قد كتب على سورها: أنتم لا تعلمون ما فاتكم” حكى جينارو مونتوري عضو رابطة مشجعي نابولي ذلك، استمرت الاحتفالات شهرين، “الفوز كان علامة فارقة في التحرر الاجتماعي للمدينة” قال تشيرو فيرارا مدافع نابولي السابق.
نجاح أسطوري، وصل مداه حد ترتيب المافيا الإيطالية لمقابلة استثنائية مع مارادونا! يحكي اللاعب: “وضعوني على دراجة نارية، ثم أخذوني إلى فورتشيلا، وصلنا، وكان العشاء على الطاولة، أحدهم كان لديه مسدس بجانبه، كنا نأكل، زعيم المافيا قال لي: أي مشكلة تواجهك هي مشكلتي أنا، وقال إنهم يؤمّنون حمايتي في نابولي، بالنسبة لي كان ذلك شيئًا جديدًا، بدا الأمر كأنني داخل فيلم”، عاد الأسطورة الأرجنتينية إلى حبيبته كلوديا فيلافاني، ليحكي لها أن “كامورا أرادوا إظهار امتنانهم فقط لاغير”، شعر مارادونا بالأمان بعد أن تأكد من أن الأمر حماية له، لا ضده، ليواصل عزفه المُتفرد على أرض الملعب.
بفضله ساد الترقي الرياضي والاجتماعي المدينة كلها، أحرز مارادونا لنابولي الدوري الإيطالي مرتين، كأس إيطاليا، كأس السوبر الإيطالي وكأس الاتحاد الأوروبي، أصبح الأرجنتيني قديسًا للمدينة، لا يمكن أن تسيء إليه بكلمة، إذا أسأت له فأنت تنتقد الرب، والرب لا يمكن انتقاده! يحكي مارادونا أنه لم يكن يستطع الخروج للشوارع، “كل مرة أخرج فيها تحدث ثورة”، لم أستطع “الذهاب إلى المسرح أو السينما أو التسوق”، أُخذت عينة من دم مارادونا ووضعت في “كنيسة القديس جينارو”، كما لو كان نصف إله، وصل به الحال أن وضع “النابوليون” صورته على أسرّتهم إلى جانب صورة المسيح، ربما أصابه هذا باضطراب نفسي، وربما هذا ما دفعه ليوغل في دوامة الكوكايين!
“شمة واحدة أحس أنني سوبرمان”، في نابولي كانت المخدرات في كل مكان، وهناك “كنت أتعاطى أكثر وأكثر وأكثر”، مارادونا كان يطلب الكوكايين من زعيم المافيا الإيطالي سلفاتوري جوليانو، وكان يصل له في الحال، يشرب المخدر طوال أيام الأسبوع، ليتوقف عند يوم الأربعاء، بادئًا رحلة الاستعداد للمباريات حتى يوم الأحد، ليعاود الكرّة من جديد، لكن إن تتعامل مع “كامورا” تصبح جزءًا من ممتلكاتهم، بات مارادونا يحضر افتتاحاتهم، ويتلقى منهم الهدايا الثمينة”
لم يعد الشخص الذي أعرفه، شعرت أنه يبحث عن طريقة ما للهرب من شيء لا أعرفه، ليخرج نفسه من شيء ما أو مكان ما” هكذا قالت عن تلك الفترة زوجته السابقة كلوديا فيلافاني.
أما مارادونا فقد أحس أنه حقق كل شيء، ولم يعد هناك ما يمكن فعله بعد ذلك، لقد “صرت رمزًا للجنوب الإيطالي” قال ذلك وعقله يسرح بالذكريات.
قبل 4 أعوام من انطلاق كأس العالم بالمكسيك ، اشتعلت حرب الفوكلاند، بين الأرجنتين والمملكة المتحدة، على إقليمين واقعين جنوب المحيط الأطلسي المواجه للارجنتين ، الرياضة لها روح سمحة تجمع الشعوب ولا تفرق، لكن من قال إنها تنفصل عن واقع السياسة، منتخب الأرجنتين يلعب له مارادونا، بينما يصطدم بالإنجليز في الدور قبل النهائي لكأس العالم 1986م ، أحرز دييجو هدفًا شهيرًا بيده احتسبه الحكم التونسي علي بن ناصر ، هدف مازال يثير الجدل إلى الآن، قال اللاعب إن ذلك “لم يكن مخططًا، لكن الأمر حدث بسرعة، لقد كان شعورًا جميلًا، يشبه انتقامًا رمزيًا من الإنجليز”، ليضيف الأرجنتيني هدفًا ثانيًا رائعًا، وعنه قال بعد المباراة: “الأوروبيون جاءوا الى أراضينا، كانوا أقوياء، لكنني كنت أعرف أن الكرة إذا وصلت لي فإنهم لن يتمكنوا من إيقافي”، وهو ما كان على أرض الملعب فعلًا.
إذا أراد أحد أن يفسر أسطورية مارادونا، فيكفي أن يشير إلى مباراة إنجلترا هكذا قال الصحفي الرياضي دانييل أركوتشي، “فبين الهدفين تظهر كل الأسباب التي تجعله محبوبًا، وأيضًا التي تجعله مكروهًا، القليل من الغش، لكن الكثير من العبقرية”، حصد المنتخب الأرجنتيني كأس العالم في النهاية، إنجاز يضع مارادونا في مصاف العظماء بمسقط رأسه، “صبي أسمر صغير من حي فقير جدًا حارب، وقاتل، وحرك الأشياء من مكانها” والكلام لا يزال لأركوتشي.
كانت نسخة كأس العالم 1990م في إيطاليا ، نقطة تحول في مسيرة أسطورة مارادونا بإيطاليا، البلد المستضيف لتلك الكأس، سوء حظ وضع مارادونا في موقف لا يحسد عليه، يلعب هو بقميص بلده الأرجنتين، بينما يلتقي إيطاليا في الدور قبل النهائي، وعلى ملعب نابولي! يا لها من دراما، صرح الأرجنتيني بأن “نابولي ليست من إيطاليا”، مستغلًا الشقاق بين الشمال والجنوب، وطالبًا من “النابوليين” تشجيعه، ليثير ذلك انقسامًا وجدلًا كبيرًا في البلد الأوروبي، أشعله فوز الأرجنتين ووصوله للنهائي على حساب المستضيف، وبضربة أخيرة من الداهية مارادونا، كأنه كفر بعد إيمان، سقطت حصانة اللاعب في إيطاليا، وصفته الصحافة بـ”شيطان نابولي”، “البغيض”، درجة أن نشرت مجلة ريبابليكا الشهيرة تحقيقًا عن أكثر المكروهين في إيطاليا، فنال مارادونا شرف الفوز باللقب، مكتسحًا أعتى منافسيه، وإن كانوا سياسيين يكرهم الفقراء والمقهورون.
بعد خروج إيطاليا من كأس العالم على يد مارادونا، انقلب السحر على الساحر. رُوقب تليفون مارادونا، حول للمحكمة، قال القضاء إن الأرجنتيني يتعاطى المخدرات ويقيم علاقات أباحية مع القاصرات، أزاحت المكالمات الستار عما كان الشارع يعرفه تمامًا، مارادونا مدمن كوكايين، مارادونا يضاجع العاهرات، كان سقوطًا لا مثيل له، كارهو اللاعب وجدوها فرصة لتدميره، ومنافسوه أيضًا، حتى مافيا كامورا تخلت عنه، بعد افتضاح نشاطها بصورة غير مسبوقة، وتكثيف التضييق الأمني على أفرادها وتجارتها.
في النهاية حكم القضاء الإيطالي بوقف اللاعب 15 شهرًا، كان الحظر غير مسبوق في إيطاليا، وتبنته الفيفا حول العالم، ليغادر اللاعب نابولي على هذا الحال، نهاية لم يتوقعها، أحزنته كثيرًا، يقول عنها متأثرًا: “عندما حضرت إلى نابولي استقبلني الآلاف ، بينما رحلت عنها وحيدًا”، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، في الأرجنتين، وبعد أسبوعين فقط، فُتشت شقة مارادونا، كان تحت تأثير المخدرات، ومعه كمية كبيرة من الكوكايين، ليضاف إلى عقوبته 14 شهرًا إضافيًا من قبل الاتحاد الأرجنتيني.
قبل انطلاق كأس العالم بأميركا في العام 1994م ، فاجأ مارادونا الجميع، بوزن منقوص وجسم رشيق ولياقة بدينة عالية، وتصريحات نارية لم يتوقف عنها أبدًا: “هناك من يقولون عنى إنى بدين، لقد مللت منهم، سوف ترون مارادونا فى مونديال 94″، بالفعل، تألق مارادونا في المباراة الأولى أمام اليونان، سجل هدفًا رائعًا، لكنه احتفل بالهدف بشكل جنونى، ركض نحو الكاميرا كالفهد، نظر إليها بعيون جاحظة، عدوانية، وصرخ صرخة مدوية، فمن حيث أراد أن يعلن للجميع عن نفسه، أثارت فعلته شكوك فيفا حول سلوكه، ليُخضعه الاتحاد الدولي لاختبار المنشطات، ثبت تناول مارادونا عقار الإيفيدرين المنشط، بينما يؤكد هو في مذكراته، أن طبيبه الخاص كان قد منحه مشروبًا للطاقة، مدعيًا أن الطبيب اشترى المشروب من أمريكا عن غير قصد، بعد نفاده فى الأرجنتين، وبه كان العقار المنشط، دون أن يكون له علم بذلك، أيًا ما كان، انتهي مشوار مارادونا مع كأس العالم، كما أوقف عن كل فعاليات كرة القدم، وعن هذا الموقف حكى بعد سنوات طويلة باكيًا: “لا أريد أن أعرض دراما، لكن صدقوني أعتقد أنهم أخرجوني من كرة القدم مكتوف الأيدي وروحي حزينة”.
بداية تهديد الإدمان لحياته وبداية تعرضه للأزمات الصحية كانت في العام 2000م ، وتحديدا عندما كان في زيارة للأورجواي : ضغط دم مرتفع، سرعة في ضربات القلب، 900 ملي جرام كوكايين في البول، جرعة قاتلة! لكن القدر ينقذ مارادونا من موت محقق، ليعود إلى أرض الوطن هزيلًا، مُحطمًا، لكن ثمة فتاة هي من أنقذته، جيانينا دينورا مارادونا، “كانت أصغر بناتي، كانت تذهب إلى المدرسة، وعندما ترجع، تمسك بملاءات سريري، وتقول أبي، أبي، كانت دالما –ابنة مارادونا الكبرى- تلعب معك، وأريد اللعب معك أيضًا، كانت أقصر حتى من مستوى السرير، وكنت في غيبوبة من المخدرات، لذا لم أكن أعي ما تقول، أخبرتني دالما بهذا والدموع في عينيها، ودالما فتاة فخورة وصلبة كالسنديان- شجرة ضخمة قوية ومعمرة، قلت يا للعجب! وغير هذا من عقليتي، لماذا؟ لأنه حتى عندما كنت في العيادة، كنت أظل أفكر في المخدرات، لكن تلك الفتاة المكتنزة، ضئيلة الحجم، سمراء البشرة، الشيء الجميل، قالت لي الكلمات المناسبة وفهمت” حكى مارادونا ذلك متأثرًا، باكيًا، كما فعلا وقتها هو ودالما، في النهاية لم يجد مارادونا سبيلًا غير التعافي، وطئ أرض مطار هافانا، وهناك في كوبا خضع للعلاج من الإدمان، قبل أن تُقر الفيفا منحه جائزة شرفية، وبينما يتسلمها من أوروبيين أرستقراطيين، يخطب بثقة: “أشكر الفيفا لاحترامها أصوات الناس.. فلولا الناس ما كنا موجودين هنا، أو لنا شعبية”، ليُهدي الجائزة للشعبين الأرجنتيني و الكوبي، كما لم ينسَ في كلماته المناضل اليساري تشي جيفارا.
ويبقى التساؤل كيف كان سيبدو حال ماردونا اللاعب والإنسان لو لم يتعاطى المخدرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى