آراء

حدَّة الطباع في المجتمع

بقلم : د. صالح الفهدي

Advertisement

أصبحت حِدَّة الطَّبع في المجتمع صفةً بارزةً وملحوظة حينما يُطرحُ موضوعٌ ما في (المجالس السَّحابية) أو العلاقات الشخصية أو الأُسرية ، ولعل أبرز صور هذه الصفة ما يتَّصلُ بالنقاشات التي تطغى عليها الغلظة ، والفظاظة ، والغضب ، والحدة ، حتى أنَّ بعضها لا يستحق أن يُلفت نظر الإنسان ، ناهيكم عن دخوله في نقاشٍ مضنٍ ، ومتعبٍ للنفس!.

هذا يُنبأُ عن عددٍ من المؤشِّرات علينا أن ننبِّه المجتمعُ من العواقب التي تسبَّبت بها حِدَّة الطباع ، وفظاظة الأُسلوب على لحمة المجتمع وتماسكه!. وبالطبع فإِن الأحكام التي تُطلق على مخالف الرأي ، ومعارض وجهة النظر جاهزة تُلقى على الفور!.

Advertisement

هناك أسبابٌ ، وتداعياتٌ لهذا السلوك غير الحميد؛

أوَّل الأسباب التي ينتجُ عنها حدَّة الطبعِ في النقاشِ عدم الاهتداء بالمنهجِ الديني الذي أوضحَ طُرقاً للنقاش ، وأبان أساليبَ للحوار ، وبيَّن أدواتٍ للمجادلة.

ثانياً : الرغبة في تغليب وجهة النظر الشخصية بغضِّ النظر عن نشدان الحقيقة ، وهذه مصدرها النرجسية الذاتية ، وقلَّة النضج الفكري والنفسي.

ثالثاً : عدم امتلاك مهارة الحوار مع الآخر ، وما يتطلَّبه ذلك الحوار من فهم عميق لوجهة النظر الأُخرى قبل الردِّ عليها ، ثم استخدام الحجج والبراهين الواضحة للرد وفقَ أسلوبٍ يحفظ حق وكرامة الطرف الآخر.

أما تداعيات ذلك الهيجان والإضطراب الناتج عن حدَّة النقاش مع الآخر فهي :

أولاً : انقطاع الأواصر الأُسرية ، والعلاقات مع الآخرين ، مما يؤثِّرُ على وحدة وتماسك النسيج الاجتماعي ، إذ أن النقاشات التي يغلبُ عليه حدة الطبع ، والغضب تؤدي إلى الشحناء والفجور في الخصومة وقطع العلاقات.

ثانياً : الأَمراض النفسية والعضوية الناتجة عن حدَّة الطبع ، وثوران النفس ، وهيجان المشاعر ، والغضب. لقد أوضحت الدراسات الطبية أثر الإضطرابات الناتجة عن الغضب والثوران والحديَّة على النفس ومن ثم على الجسد في صورة أمراضٍ مختلفة بعضها مزمن.

ثالثاً : حرمان العقول من الاستفادة المعرفية السليمة الناتجة عن الحوار الموضوعي ، الهادىء ، الرزين الذي يحترم فيه جميع الأَطراف بعضهم البعض وإن اختلفت وجهات نظرهم.

أعودُ إلى الأَسباب التي ذكرتها آنفاً لأقول أن المنهج الإِسلامي قد وضع قواعدَ في النقاش والحوار والمجادلة لا يتسع المقام لسردها ، بيد أنني أذكرُ بعضها وفي مقدمتها ما أمر الله به نبيُّه الكريم من اتباعه عند الحوار والمناقشة فقال سبحانه :” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ”(آل عمران-159) ، وقال تعالى:”أُ دْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل-125) ، وفي أمره سبحانه لسيدنا موسى وأخاه هارون قال :” فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (طه-44) ، والنبي الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام قد أجلى أثر الغضب ناصحاً بثلاثٍ “لا تغضب” ، وأبان :”ليس الشديدُ بالصرعةِ -أيَّ بقوة الجسد والعضل- وإنما الشديد من يمسك نفسه عند الغضب”(رواه البخاري) ، وللإسلام أدبياته وأعرافه في هذا الشأنِ من لا يعيها فذلك يعني أنه لم يفهم دينه حق المعرفة.

أما السبب الثاني وهو المتعلق بتغليب وجهة النظر الشخصية فهذا سببه عدم النضج الفكري ، والتعصُّب للرأي وإن كان غير صحيح ، وفرض الغلبةِ على الآخر ، وفي هذا يقول الإِمام الشافعي :”ما جادلتُ أحداً إلَّا وتمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه” في دلالة على تغليب الحق على الرأي الشخصي ، وهذا ما يجب أن يُدرك؛ أنَّ نشدان الحقيقة مقدَّمٌ على نصرة النفس ، والانحيازِ إلى الباطل.

ثالثُ الأسباب المتعلق بفقدان مهارات الحوار وأدبياته فذلك محسوبٌ على التربية داخل البيت فيما يتعلق بقيمة الحوار وأسسه وطرقه وأخلاقياته ، كما يعودُ أيضا إلى المدرسة وطرق المعلمين في إدارة النقاش والحوار ، بالإضافة إلى قيم الحوار وأدبياته في المناهج.

المجتمع بحاجة ماسَّة إلى التخلُّص من حدَّة الطبعِ بغضِّ النظر عن الضغوطات المختلفة التي لا يجب أن تُخرج الإنسان من نطاق أخلاقه ، وأدبه ، فلهُ أن يغضب للحقِّ ، ويعبِّر عن مشاعره المكبوتةِ ، ولكن دون أن يحمله ذلك إلى استخدام الألفاظ النابية ، واللغة الوضيعة ، والأسلوب الجارح ، يقول الدكتور عزت عطية أستاذ الحديث بجامعة الأزهر : “إن ما نشاهده في هذه الأيام من انتشار حدة الطباع وما ينشأ عنها من صراع بين الزوج وزوجته وبين الأبناء والآباء وبين مختلف فئات المجتمع في العمل والمواصلات العامة هو الضيق بالآخرين ، وكثرة العراك ، وضيق الصدر بالآخر ، وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة ، يؤكد ضرورة الحاجة إلى تعديل العرف العام في السُّلوك والتصرفات والطباع وأن يقوم بهذه المهمة كافة وسائل وأجهزة المجتمع الإسلامي حتى يعود التراحم والصفاء والحب والترابط بين فئات الأمة على اختلاف ديانتهم “.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى