آراء

رسائل إلى رئيس الوحدة(6) .. تسامح مع أخطاء موظفيك

بقلم : د. صالح الفهدي

Advertisement

الخطأُ أمرٌ مسلَّم به في طبيعةِ البشر ، وكلُّ رئيسٍ لا يُسلِّم بالخطأ من موظفيه ، هو باحثٌ عن الكمالِ والمثال ، هو نفسه لا يسلم من الخطأ فكيف به لا يجوِّزهُ على غيره؟ وكيف به لا يقبله من الآخرين؟ بعض رؤساء الوحدات لا يتسامحون مع الأخطاء التي قد تحدث من أفضل الكفاءات في الوحدة ، فيستبعدونهم عن المواقع التي هُم عليه ، ويقصونهم عن مناصبهم ، وقد يضحِّون بمستقبل الوحدة عبر إحلالِ من هم أقلُّ كفاءةً منهم مكانهم ، وهُنا يُعالجُ الرئيس الخطأ بعدَّةِ أخطاءٍ منها :

أولًا : يبثُّ ثقافة الخوف من التجربة في الوحدة بين أفرادها حتى لا يرتكبوا الخطأ فيلاقوا مصير من تم إقصاؤهم بأيِّ حالٍ من الأحوال ، وبالتالي تفقد الوحدة أحد ركائز التقدُّم فيها وهو عامل الإِبداعِ والإبتكار والتجديد.

Advertisement

ثانيًا : يُضحِّي رئيس الوحدة بتهوِّر قراراته الناجمة عن عدم التسامح مع الخطأ بمستقبل الوحدة وذلك بوضعِ كفاءاتٍ لا توازي كفاءات الأفراد الذين لم يتسامح مع أخطاؤهم ، وهُنا فإِنَّ الوحدة ستدفع أثمانًا باهضةً إذا ما قورنت بثمن الخطأ الذي ارتكبه من أقصاهم عن مناصبهم.

ثالثًا : إنَّ عدم التسامح مع الخطأ يعني أن الرئيس لا يعي بشرية الفعل الإنساني الذي تتسم طبيعته بالصواب والخطأ ، فهو يتعامل معه كآلة لا يجب أن ترتكبَ خطًا ، وهنا فإنَّ الرئيس يتعارضُ مع المنطق الإنساني الذي يجوِّزُ الصواب والخطأ للإنسان ، ويراهُ طبيعيًّا.

ولنا حين نوسِّع النظر في ارتكاب الأخطاء نجدُ أنَّ الله سبحانه وتعالى وهو خالقُ الإِنسان ، يفتحُ الباب واسعًا للمسرفين من عباده ، أي الذين تجاوزا حدودًا عاليةً من العصيان وارتكبوا الأخطاء ، فقال : “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر: 53) ، والنبي الأكرم عليه الصلاة والسلام ، وهو المُدرك لطبيعة الإنسان وميلهِ وانحرافه عن جادَّةِ الصواب يقول : “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم” (رواهُ مُسلم).

فكيف يأتي من الناس من لا يتسامح مع الخطأ ، ومن هذا الذي يخطأ؟ معلومٌ أنَّ من يعمل يخطأ ، وهذا أمرٌ طبيعي ، ولذلك لا يجب مجازاة من يعمل بسبب خطأه ، بل تفهُّم الخطأ إِن لم يكن متعمدًا ، وهو كذلك في الغالب ، حتى وإن بدا في الظاهر كذلك ، لكنَّه اجتهاد ، والإجتهادُ في الإسلام حتى إن صادف الخطأ لم يُحرم من الأجر! لماذا؟ لأنَّ الإِسلام يفترضُ حُسن النيَّة في العمل كأساس ، وليس سوء الظن ، وعلى ذلك فإنَّ أصحاب الكفاءات لا يجب أن يعاقبوا لخطأٍ قد وقعَ منهم ، فتسقط كل مسيرتهم المهنية في لحظةٍ قصيرةٍ فَقَدَ فيها رئيس الوحدة السيطرة على أعصابه ، وانفلتَ من عقلهِ الضَّابط على انفعالاته ، وهذا ما يحدثُ في بعض الوحدات ، وهُنا أذكر رئيس وحدةٍ استدعى أحد أفضل الكفاءات الذين استثمرت فيهم الوحدة ودفعت لذلك الأموال الطائلة ، ولأن الرئيس طائش العقل ، فقد طلب منه الاستقالة ، وكانت رسالة الاستقالة في جيب ذلك الموظف الذي عرضها على الفور وانتهت القصَّة ، وأفقد هذا الرئيس وحدته بأحد أهم الكفاءات فيها سبب تعجِّله وتهوُّره.

مثلَ هذا الرئيس يجب أن يُحاسب لأنَّه أضاع أموال الدولة التي استثمرت في كفاءات لتشكِّل إِضافةً قيِّمةً لوحدتها وبالتالي لموطنها ، لكنَّه فرَّط فيها بسبب استبداد سُلطته ، وكان أحرى به أن يقدِّم المصلحة العُليا التي توازنُ في قراراتها ، وتعدلُ في نظرتها.

على أنَّ هناك من الرؤساء من لا تجرُّهم انفعالاتهم إلى فقدان أفضل الكفاءات ، وأذكرُ هنا أن رئيس وحدةٍ حين وَقَعَ موظفه الذي انتقلَ من وحدتهِ إلى وحدةٍ أُخرى ، وارتكبَ فيها خطًا كاد أن يُنهي حياته المهنية ، لم يتخلَّ عنهُ بل انطلق إلى رئيسه الجديد ليتشفَّعَ له ويُنقذهُ مما وقعَ فيه من الخطأ ، ويطلب إعادته إلى وحدته السابقة وهكذا تم الأمر ، فعيَّنهُ في وظيفةٍ تليقُ بقدراتهِ ، ولم يهمله لخطأٍ وقع منه ، أو يتخَلَّ عنه لأنه انتقلَ عنه!

إنَّ التسامحَ مع الخطأ الذي ينتجُ عن غير قصدٍ في إطارِ العمل ، يختلفُ عن ذلك الخطأ الناتج عن سبقِ نيَّةٍ وترصُّد؛ فالأوَّلُ مشروعٌ مأجورٌ ، والثاني مذمومٌ ومعاقبٌ عليه ، كأن يختلسَ أموالًا أؤتمنَ عليها ، أو يضيِّع أمانةً ، أو يخونَ عهدًا ، أو يزيِّف تواقيعًا ، أو يتكسَّب من وراءِ وظيفته أو نحو ذلك ، وعلى هذا المعنى هو قصدنا؛ أن يكون التسامح مع الخطأ فيما لا تدخلُ فيه قصدية التعمُّدِ ، والإِضرارِ ، بل ذلك الخطأُ الناتجِ عن حُسنِ نيَّةٍ لأداءِ العملِ ، وتوفَّرت فيه دلائلُ الاجتهاد.

هذا النوعُ من التسامح مع الخطأ يشيعُ الأريحية والاطمئنان في الوحدة للعمل ، ويدفع الأفراد فيها للإجتهاد من أجل التجديد والتحديث والتطوير ، ويرفعُ من الدافع المعنوي في أنفسهم ، مُدركين بأنهم إن اجتهدوا فأخطأوا فإِنهم غير مُلامينَ على اجتهاداتهم وإنما محفَّزين ومكافَئين ، وهذا سرٌّ من أسرار القيادةِ الحكيمةِ للوحدات لا يُدركهُ إلا الحكيمون من الرؤساء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى