هانم داود لهرمز نيوز: أبحث في أوجاع المجتمع.. والكتابة وطن نلجأ إليه كلما ضاقت بنا الأرض

حوار: هرمز نيوز
تتنوع التجارب الأدبية وتتعدد مساراتها، لكن القليل منها ينجح في الانتقال بين عوالم إبداعية مختلفة مع الاحتفاظ ببصمته الخاصة. ومن بين هذه التجارب تبرز الكاتبة هانم داود، التي خاضت مغامرة الكتابة في الرواية الاجتماعية والنفسية والبوليسية، وصولا إلى أدب الرعب والإثارة، إلى جانب تجربتها الشعرية.
وخلال مسيرتها، قدمت داود مجموعة من الأعمال التي تناولت العلاقات الإنسانية وتعقيدات النفس البشرية والقضايا الاجتماعية، من بينها «نهاية أسطورة» و«وخنت قلبي» و«مائة عشيقة» و«ظهور الجن والشياطين» و«صوت العصيان»، وصولا إلى روايتها الأحدث «في مهب الريح» التي شاركت بها في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026.

في هذا الحوار مع «هرمز نيوز»، تتحدث هانم داود عن محطات تجربتها الأدبية، وأسباب تنوع اختياراتها السردية، ومصادر إلهامها، ورؤيتها لدور الأدب في ملامسة قضايا المجتمع، كما تكشف عن ملامح مشروعها الإبداعي المقبل.
بداية، تتسم تجربتك الأدبية بتنوع لافت بين الرواية الاجتماعية والنفسية والبوليسية وأدب الرعب. ما الذي دفعك إلى خوض تجربة الأدب البوليسي في روايتك «نهاية أسطورة» الصادرة عام 2018؟ وماذا يمثل لك هذا اللون من الكتابة؟

هانم داود: يمثل الأدب البوليسي بالنسبة لي مساحة واسعة لإعمال العقل والتفكير المنطقي، دون التخلي عن التشويق والإثارة اللذين يشكلان عنصرين أساسيين في هذا النوع من الأدب. وقد اخترت هذا المسار في رواية «نهاية أسطورة» رغبة في تقديم عمل درامي يمزج بين الخيال والواقع، ويسلط الضوء على زيف الاستيلاء على حقوق الآخرين.
لم تكن الرواية مجرد حكاية عن جريمة والبحث عن مرتكبها، بل حملت أبعادا فكرية ونفسية، وقدمت صراعا يعكس مواجهة المظلومين للاستبداد والدفاع عن حقوقهم. وهنا تكمن أهمية الأدب البوليسي في نظري، حين يتجاوز حدود الجريمة والغموض ليتناول قضايا إنسانية أعمق.
انتقلتِ في أعمال أخرى إلى معالجة العلاقات الإنسانية والصراعات العاطفية، وبرز ذلك في روايتي «وخنت قلبي» و«مائة عشيقة». كيف تنظرين إلى تجربة كل منهما؟ وما الذي جعل هذين العملين يقتربان من وجدان القراء؟

هانم داود: أعتقد أن سر تفاعل القراء مع رواية «وخنت قلبي» يعود إلى تناولها جوانب عميقة من النفس البشرية، من خلال معالجة إنسانية واجتماعية لصراعات العاطفة ومرارة الخذلان، وما يواجهه الإنسان من صراع بين صوت الضمير ونزوات النفس.
أما رواية «مائة عشيقة»، فقد مثلت تجربة مختلفة وأكثر تعمقا في استكشاف العلاقات الإنسانية المعقدة، وما يرتبط بها من غرور ذاتي ورغبة متواصلة في البحث عن الدفء والشغف، رغم ما يحيط بالإنسان من مخاوف وقلق واحتمالات للضياع. وأرى أن القارئ ينجذب إلى الأعمال التي يجد فيها انعكاسا صادقا لمشاعره وتساؤلاته وصراعاته الداخلية.
وفي عام 2020، اتجهتِ إلى عالم الرعب والإثارة من خلال رواية «ظهور الجن والشياطين». ما الذي جذبك إلى هذا العالم؟ وكيف توظفين عناصر الغموض والخوف في البناء الروائي؟

هانم داود: أتعامل مع أدب الرعب والإثارة باعتباره وسيلة لاستكشاف المخاوف الكامنة في أعماق الإنسان، والكشف عن ردود أفعاله عندما يجد نفسه في مواجهة المجهول.
وفي رواية «ظهور الجن والشياطين»، وضعت البطلة أمام سلسلة من الظواهر الغامضة، داخل قصر مهجور يشهد صراعا بين الواقع وعوالم غير مرئية. وقد أتاح لي هذا العالم مساحة لتناول مشاعر الخوف والشجاعة، واختبار قدرة الإنسان على المواجهة في ظروف استثنائية. فالرعب بالنسبة لي لا يقتصر على إثارة الخوف، بل يمتد إلى استكشاف النفس البشرية في لحظات ضعفها وقوتها.
تحمل روايتك «صوت العصيان» الصادرة عام 2018 أبعادا اجتماعية ونفسية، وتتناول قضايا المرأة في سياق أحداث ثورة 25 يناير. ماذا تمثل لك هذه الرواية؟ وهل تعملين على تقديم تجربة جديدة تقترب من قضايا المجتمع الراهنة؟

هانم داود: تحتل رواية «صوت العصيان» مكانة خاصة في قلبي، لأنها تناولت مجموعة من الصراعات النفسية والاجتماعية التي يواجهها الرجل في تعامله مع القضايا النسوية، وذلك في إطار سردي مشوق تزامن مع أحداث ثورة 25 يناير.
أما على مستوى أعمالي الجديدة، فأنا في حالة بحث وإبداع مستمرين، وأسعى دائما إلى الاقتراب من القضايا التي تشغل الإنسان والمجتمع. وقد صدرت لي رواية «في مهب الريح» عام 2026، وشاركت بها في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتتناول قضية إنسانية شائكة تتصل بأزمة الطلاق وما يترتب عليها من تفكك أسري وتشرد للأطفال، إلى جانب ما يواجهه الإنسان من تحديات وعواصف الحياة القاسية.
إلى جانب الرواية، خضتِ تجربة الكتابة الشعرية من خلال ديوان «أمل وعتاب» الصادر عام 2017. أين تقفين من الشعر اليوم؟ وهل ينعكس هذا الجانب على تجربتك الروائية؟

هانم داود: الشعر هو التعبير الأكثر صدقا عن الوجدان، ومن خلال ديوان «أمل وعتاب» حاولت تقديم مساحة تنبض بالمشاعر والرومانسية وما تحمله النفس من أحاسيس عميقة.
ولا أرى أن الشعر بعيد عن تجربتي الروائية، بل يمثل أحد منابع الإلهام التي أعود إليها أحيانا لاستلهام موسيقى اللغة والتعبير عن المشاعر الدفينة قبل تحويلها إلى نصوص روائية ممتدة. فهناك علاقة وثيقة بين الشعر والرواية، حتى وإن اختلفت أدوات التعبير في كل منهما.
لكل كاتب مصادر إلهام تشكل ملامح تجربته. من هم الأدباء الذين تركوا أثرا في تكوينك الفكري والأدبي، سواء من مصر أو العالم العربي أو الأدب العالمي؟ ومن يمثل لك النموذج الذي تطمحين إلى الاقتداء به؟

هانم داود: تأثرت بالعديد من الكتاب الكلاسيكيين والمعاصرين، خصوصا أولئك الذين يمتلكون القدرة على النفاذ إلى أعماق النفس البشرية، ولا يكتفون بتناول القضايا من جوانبها السطحية.
كما استلهمت الكثير من تجارب كبار الأدباء المصريين والعرب الذين استطاعوا التعبير عن الهوية الإنسانية والاجتماعية وتخليد تفاصيل الحياة في أعمالهم. وبالنسبة لي، لا يرتبط النموذج الإبداعي باسم واحد بقدر ما يرتبط بالقيم التي أؤمن بها، وفي مقدمتها الصدق الفني والالتزام بقضايا المجتمع واحترام عقل القارئ ووجدانه.
في ظل الانتشار المتزايد للكتب الصوتية وتغير أنماط تلقي المحتوى الأدبي، هل هناك توجه لتحويل بعض رواياتك إلى أعمال مسموعة؟

هانم داود: أتلقى باستمرار مطالبات من القراء ومحبي أعمالي لتحويل بعض الروايات إلى نسخ صوتية، وهو أمر يسعدني كثيرا، وأتمنى أن يتحقق قريبا، وأن تجد أعمالي طريقها إلى الجمهور عبر أصوات إبداعية قادرة على نقل أجوائها ومشاعرها إلى المستمعين.
فالكتاب المسموع يفتح آفاقا جديدة أمام الأدب، ويمنح القراء فرصة للتفاعل مع الأعمال الأدبية بوسائل مختلفة ومبتكرة.
في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى قرائك؟ وما ملامح مشروعك الإبداعي المقبل؟

هانم داود: أتوجه بالشكر إلى «هرمز نيوز» على هذا الحوار، وأؤكد أن مشروعي الإبداعي سيظل قائما على مواصلة البحث في أوجاع المجتمع وقضاياه النفسية والإنسانية، وتقديم أعمال أدبية تحترم عقل القارئ وتلامس وجدانه.
رسالتي الدائمة إلى القراء هي أن يواصلوا القراءة، لأنها تمنح الإنسان مساحات أوسع للفهم والتأمل واكتشاف الحياة، فالكتابة وطن نلجأ إليه كلما ضاقت بنا سعة الأرض.



