من هيمنة البنوك إلى البنية المفتوحة.. كازاخستان تعيد رسم مستقبل التكنولوجيا المالية

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي
تشهد كازاخستان تحولا متسارعا في قطاع التكنولوجيا المالية، بعدما أصبحت أكبر بنوكها تهيمن على جانب كبير من سوق التمويل الاستهلاكي الرقمي، لتتحول البلاد إلى واحدة من أكثر الأسواق نشاطا في هذا المجال على مستوى آسيا الوسطى.
ورغم أن هذا التوسع أسهم في تسريع انتشار الخدمات المالية الرقمية ووصولها إلى شرائح واسعة من السكان، فإنه ضيّق في المقابل المساحة المتاحة أمام شركات التكنولوجيا المالية المستقلة التي تعتمد على الوصول المباشر إلى المستهلكين. ونتيجة لذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة من نمو القطاع تتجه بصورة متزايدة نحو الخدمات المصرفية المفتوحة، والتمويل المدمج، والبنية التحتية المالية المشتركة.
وتكشف نتائج التقرير السنوي الجديد حول سوق التكنولوجيا المالية في كازاخستان أن المشهد لا يمكن اختزاله في نجاح أو تراجع. فقد ساعد التركّز المصرفي على بناء منظومة رقمية واسعة وسريعة النمو، لكنه فرض في الوقت ذاته تحديات جديدة أمام المنافسة المستقلة، ودفع كثيرا من الشركات الناشئة إلى البحث عن أدوار مختلفة داخل المنظومة المالية.
وجاءت هذه المعطيات في تقرير «معرض التكنولوجيا المالية في كازاخستان 2026»، الذي قُدم خلال قمة التكنولوجيا المالية في آسيا الوسطى بمدينة ألماتي. وأعد التقرير شركة RISE Research & Advisory بالشراكة مع Tarlan Payments وBCC Hub ومركز التكنولوجيا المالية، وبدعم من البنك الوطني الكازاخستاني، وهو الدراسة الوطنية السنوية الثالثة التي ترصد تطورات السوق.
وتشير بيانات التقرير إلى أن خمسة بنوك فقط تستحوذ على نحو 69% من أصول القطاع، فيما تحولت ثلاثة تطبيقات رئيسية إلى منصات متكاملة للخدمات اليومية، تجمع بين المدفوعات والإقراض والتجارة الإلكترونية والسفر والنقل، إضافة إلى بعض الخدمات الحكومية ضمن منظومات رقمية واحدة.
وامتد هذا النموذج كذلك إلى قطاع الشركات الصغيرة، إذ تغطي البنوك، وفقا للتقرير، 16 من أصل 19 احتياجا أساسيا لأصحاب الأعمال، بدءا من تسجيل الشركات وفتح الحسابات، وصولا إلى المدفوعات والائتمان والرواتب والمحاسبة.
هذا التركّز جعل المنافسة المباشرة مع البنوك أكثر صعوبة أمام شركات التكنولوجيا المالية الموجهة للمستهلك، وهو ما دفع عددا منها إلى إعادة توجيه نشاطها نحو البنية التحتية المالية والخدمات المصرفية المفتوحة، بدلا من الدخول في منافسة مباشرة على الخدمات الاستهلاكية.
تراجع التمويل يعيد توجيه الشركات الناشئة
وتقدم سوق الاستثمار في التكنولوجيا المالية مؤشرا آخر على التحولات التي يشهدها القطاع. فقد جمعت الشركات الناشئة في كازاخستان نحو 72 مليون دولار من رأس المال الاستثماري خلال الفترة بين 2021 و2025، إلا أن تدفقات التمويل تراجعت بوضوح بعد بلوغها ذروة قدرها 32 مليون دولار في 2023.
وانخفضت الاستثمارات إلى 19 مليون دولار في 2024، قبل أن تتراجع إلى 8 ملايين دولار فقط في 2025. كما ظلت غالبية الصفقات في مراحلها المبكرة، مع اتجاه متزايد لرأس المال نحو نماذج الأعمال الموجهة للشركات والبنية التحتية المالية، بدلا من التطبيقات الاستهلاكية المباشرة.
ويعكس ذلك تحولا في أولويات السوق من الداخل، إذ تبحث الشركات الناشئة والمستثمرون عن فرص ترتبط بالبنية الأساسية للمنظومة المالية الجديدة، وليس فقط بالمنتجات الموجهة للمستخدم النهائي.
بنية رقمية تعيد تشكيل السوق
وفي إطار الاستعداد للمرحلة المقبلة، تعمل كازاخستان على إعادة بناء جزء كبير من بنيتها المالية الرقمية عبر الجمع بين الإصلاحات التنظيمية والمنصات المشتركة التي تربط البنوك والشركات الناشئة والمستهلكين.
وتشمل هذه البنية نظاما موحدا للدفع عبر رمز الاستجابة السريعة (QR)، وتحويلات باستخدام أرقام الهواتف، والتينغ الرقمي، والهوية الرقمية، إلى جانب مركز وطني لمكافحة الاحتيال.
ومن شأن هذه الأدوات خفض بعض الحواجز أمام دخول الشركات إلى السوق، لكنها في المقابل تفرض مستويات أعلى من الامتثال والالتزام بالمعايير التنظيمية.
وخلال عام 2025، شهدت البلاد واحدة من أكبر عمليات الإصلاح التنظيمي للقطاع المالي خلال العقود الثلاثة الماضية. ووفقا لما ذكره نائب محافظ البنك الوطني بينور جالينوف، شملت التغييرات قانونا مصرفيا جديدا، وتنظيما للعملة الرقمية، وقانونا للذكاء الاصطناعي، إلى جانب إطلاق نظام موحد للدفع عبر QR بين البنوك، والتحويلات باستخدام أرقام الهواتف، والتداول الكامل للتينغ الرقمي، فضلا عن إطار منظم للأصول الرقمية يعمل بالتوازي مع اختصاص مركز أستانا المالي الدولي.
وبحسب جالينوف، أصبحت كازاخستان تمتلك منظومة متكاملة من البنية التحتية المالية الرقمية، تشمل العملة الرقمية للبنك المركزي، والمدفوعات الفورية، والخدمات المصرفية المفتوحة، وسوقا منظمة للأصول الرقمية ضمن إطار واحد.
المدفوعات غير النقدية تتوسع
وعلى مستوى سلوك المستهلك، ارتفعت حصة المدفوعات غير النقدية إلى 88% خلال الفترة التي يغطيها التقرير، مقارنة بـ67% في عام 2019.
كما شهدت المدفوعات عبر رمز QR نموا متسارعا، إذ ارتفعت حصتها من 14% في 2023 إلى 28% في 2025، بينما بلغ حجم هذه المدفوعات نحو 17 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026.
وفي 19 يوليو، دخلت الأنظمة الموحدة للمدفوعات عبر QR والتحويلات باستخدام أرقام الهواتف حيز التنفيذ في جميع بنوك التجزئة، بما يعزز توجه البلاد نحو توحيد البنية الأساسية للمدفوعات الرقمية.
وفي السياق ذاته، تعمل كازاخستان على تطوير بنية مفتوحة لواجهات برمجة التطبيقات، بما يسمح بتبادل البيانات بصورة أكثر سلاسة بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التحول إلى تغيير طبيعة المنافسة نفسها. فكلما أصبحت أنظمة الدفع أكثر توحيدا، تراجعت قدرة الأنظمة الخاصة على تحقيق التميز لمجرد امتلاكها بنية تقنية منفصلة، وأصبح التركيز أكبر على جودة المنتجات وتجربة العملاء والبيانات والخدمات الإضافية والتسعير والابتكار.
كما أن سهولة التكامل بين الأنظمة ستتحول تدريجيا من ميزة تنافسية إلى معيار أساسي في السوق، بحيث يصبح بإمكان العميل الدفع أو تحويل الأموال بغض النظر عن البنك الذي يتعامل معه.
ولا يقتصر هذا التحول على المدفوعات، إذ تمتد الحاجة إلى بنية مشتركة أيضا إلى مجالات الأمن السيبراني والهوية الرقمية ومكافحة الاحتيال والمرونة التشغيلية، خصوصا مع تزايد الاعتماد على الخدمات الفورية والبيانات المترابطة.
الخدمات المصرفية كخدمة تفتح مجالا جديدا
وفي موازاة ذلك، بدأت الخدمات المصرفية كخدمة في ترسيخ موقعها كقطاع جديد داخل السوق الكازاخستانية، حيث تتيح لشركات التكنولوجيا المالية وغيرها تقديم منتجات مالية اعتمادا على البنية التحتية والأنظمة المرخصة لدى بنك شريك، بدلا من بناء المنظومة كاملة من الصفر.
ووفقا للمعطيات الواردة في التقرير، تتيح أربعة بنوك على الأقل حاليا بنيتها ومعالجتها لشركات خارجية، بما يسمح بإطلاق منتجات رقمية جديدة، بينها نماذج مصرفية متخصصة.
وقد أثبت هذا النموذج نجاحه في عدد من الأسواق، من بينها أسواق في جنوب شرق آسيا وكوريا، فيما لا يزال السوق الكازاخستاني أصغر من حيث الحجم، لكنه يمتلك مجالا للتوسع مع تطور البنية التنظيمية والرقمية.
الأصول الرقمية تنتقل إلى مرحلة جديدة
ولا يقتصر التحول على الخدمات المصرفية والمدفوعات، إذ يشهد سوق الأصول الرقمية في كازاخستان انتقالا تدريجيا من مرحلة التجارب إلى إطار أكثر استقرارا وتنظيما.
فقد عالجت المنصات المرخصة من مركز أستانا المالي الدولي معاملات بلغت قيمتها 10.6 مليار دولار خلال عام 2025، فيما تجاوز عدد مقدمي خدمات الأصول الرقمية المنظمين عبر الإطارين التنظيميين 50 جهة.
وبدأت العملات المستقرة والأصول الرمزية ومدفوعات العملات المشفرة تنتقل تدريجيا من بيئات الاختبار إلى الاستخدامات التجارية، بينما يبرز الترميز كأحد المجالات التي قد تشهد مزيدا من النمو، نظرا لما يتيحه من إمكانية ربط الأصول الكازاخستانية بقاعدة أوسع من رؤوس الأموال العالمية.
وفي سبتمبر 2026، اعتمدت الحكومة خطة تتضمن 65 إجراء لتوسيع السوق المنظمة، إلى جانب الإعلان عن مشاريع أولية في مجال ترميز الأصول.
من الموجة الأولى إلى مرحلة جديدة
قادت البنوك الكبرى الموجة الأولى من التحول المالي الرقمي في كازاخستان، وتمكنت من توسيع نطاق الخدمات والوصول إلى المستهلكين بوتيرة سريعة. لكن المرحلة المقبلة تبدو مختلفة في طبيعتها، إذ تستند بدرجة أكبر إلى البنية التحتية المشتركة، والإصلاحات التنظيمية، والخدمات المصرفية كخدمة، والخدمات المصرفية المفتوحة، والأصول الرقمية.
ويبقى التحدي الرئيسي أمام السوق هو كيفية تحويل هذه البنية المالية شديدة التركّز إلى منظومة تتيح مجالا أوسع للمنافسة والابتكار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار والامتثال والأمن.
وفي هذا السياق، ستظل قدرة الشركات الناشئة على تقديم قيمة جديدة مرتبطة بمدى إتاحة البنية التحتية أمامها، بينما ستتجه المنافسة تدريجيا نحو جودة المنتجات وتجربة العملاء والتسعير والبيانات والابتكار، وهي المجالات التي يمكن أن تتشكل فيها القيمة الجديدة داخل سوق التكنولوجيا المالية في كازاخستان وآسيا الوسطى.
عبدالحميد حميد الكبي
كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان



