سيلينا السعيد لـ«هرمز نيوز»: الوطن قد يغيب عن الخريطة لكنه يبقى حيًا في القلب
«خيمة خبز وبطانية».. رواية تستعيد ذاكرة الوطن والمنفى واللجوء

أجرى الحوار: محمد سعد
في بعض الروايات، لا نقرأ الحكاية فحسب، بل نشعر بتفاصيلها؛ نستعيد روائح الأماكن، ونسمع أصوات أصحابها، ونلمس الأشياء الصغيرة التي تركها الغائبون خلفهم. وفي رواية «خيمة خبز وبطانية» للروائية سيلينا السعيد، تتحول الحكاية إلى ذاكرة مفتوحة على الوطن والمنفى واللجوء، وعلى الإنسان الذي قد يضطر إلى ترك بيته، لكنه يحمل صورته وتفاصيله معه أينما ذهب.
الرواية لا تكتفي بطرح سؤال: أين الوطن؟ بل تذهب إلى سؤال أكثر عمقًا وقسوة: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح الوطن مكانًا لا يستطيع الوصول إليه؟
في هذا الحوار مع «هرمز نيوز»، تفتح الروائية سيلينا السعيد أبواب روايتها، وتتحدث عن دلالات الخيمة والخبز والبطانية، وعن الذاكرة التي تتحول إلى بيت أخير، وعن المرأة في حكايات اللجوء، ودور الكتابة في مواجهة الواقع وحفظ الحكايات من الاختفاء.
سيلينا، لماذا اخترتِ عنوان «خيمة خبز وبطانية»؟
لأنني أردت عنوانًا يشبه الإنسان عندما يفقد كل شيء.
الخيمة هي المكان المؤقت الذي يحاول أن يمنح الإنسان شعورًا بالبيت، والخبز هو الحياة؛ أبسط الأشياء وأكثرها قداسة، أما البطانية فهي الدفء والحضن والأمان الذي نبحث عنه عندما يصبح العالم باردًا.
ربما لهذا اخترت هذه الكلمات الثلاث: خيمة للسكن، وخبز للبقاء، وبطانية كي لا يموت القلب من البرد.
لكن خلف العنوان حكاية أكبر؛ حكاية إنسان يمكن أن يفقد البيت، لكنه لا يستطيع أن يفقد حاجته إليه.
هل يمكن اختزال الرواية في قضية اللجوء؟
لا أعتقد ذلك.
اللجوء أحد أبواب الرواية، لكنه ليس الرواية كلها. أنا أكتب عن الإنسان عندما يُجبر على الرحيل، وعن الذاكرة، وفقدان المكان، ومحاولة بناء حياة جديدة بأجزاء من حياة قديمة.
وأكتب أيضًا عن سؤال الوطن: هل الوطن هو المكان الذي وُلدنا فيه؟ أم المكان الذي نشعر فيه أننا لسنا غرباء؟
ربما لا أملك إجابة نهائية، وأظن أن الرواية وُلدت من هذا السؤال تحديدًا.
متى بدأت فكرة الرواية؟
أعتقد أن بعض الروايات لا تبدأ عندما نقرر الكتابة عنها، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير.
قد تختبئ في الذاكرة، في صورة قديمة، أو رائحة خبز، أو صوت شخص غاب، أو طريق مشيناه ونحن أطفال ولم نكن نعرف أنه سيصبح يومًا جزءًا من حنيننا.
ثم يأتي يوم تجد فيه هذه الأشياء طريقها إلى الورق.
«خيمة خبز وبطانية» كانت بالنسبة لي واحدة من تلك الحكايات التي ظلت تنمو في داخلي حتى وجدت لغتها.
الذاكرة حاضرة بقوة في الرواية.. لماذا؟
لأن الإنسان يستطيع أن يعيش بعيدًا عن المكان، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يعيش بعيدًا عن ذاكرته.
الذاكرة هي البيت الأخير.
قد تضيع المفاتيح، وتتغير الشوارع، وتُهدم البيوت، وتتبدل الخرائط، لكن هناك أشياء صغيرة لا يستطيع أحد أن ينتزعها منا.
رائحة خبز الجدة، صوت الجد، نافذة البيت، شجرة في الحديقة، طريق المدرسة…
هذه الأشياء تبدو بسيطة، لكنها أحيانًا تكون الوطن كله.
وهل يستطيع المنفى أن يتحول إلى وطن مع مرور الوقت؟
ربما يستطيع الإنسان أن يتعلم كيف يعيش في المنفى، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه نسي وطنه.
هناك فرق بين أن تجد مكانًا تعيش فيه، وأن تجد مكانًا يشبهك.
المنفى قد يمنحك بيتًا جديدًا، وأصدقاء، وعملًا، وذكريات جديدة، لكن الوطن الأول يبقى في مكان آخر داخلنا.
وأحيانًا أعتقد أن الإنسان لا يعيش في وطن واحد فقط، بل يحمل أوطانًا كثيرة داخله.
ماذا يعني لكِ الوطن؟
الوطن بالنسبة لي ليس علمًا ولا حدودًا ولا جواز سفر فقط.
الوطن هو التفاصيل التي لا ننتبه إلى قيمتها إلا عندما نفقدها.
هو يد أم، ورائحة خبز، وصوت أب، وشارع قديم، ومقعد كنا نجلس عليه، ووجه شخص لم نعد نعرف أين هو.
الوطن هو المكان الذي تستطيع فيه روحك أن تقول: أنا هنا.
ولهذا قد يكون الإنسان في وطنه غريبًا، وقد يكون بعيدًا عن وطنه لكنه يحمله معه.
في الرواية حضور لافت للخبز.. لماذا الخبز تحديدًا؟
لأن الخبز عندنا ليس طعامًا فقط.
الخبز ذاكرة.
هو رائحة البيت، ويد الأم، وتعب الأب، ودفء الصباح.
وفي لحظات الحرب واللجوء، يصبح الخبز أكثر من مجرد طعام؛ يتحول إلى سؤال عن الحياة نفسها: هل سنجد ما يكفينا كي نستمر؟
ولهذا أحببت أن يكون الخبز في العنوان.
فالإنسان عندما يفقد كل شيء يعود إلى الأشياء الأولى: مكان يحميه، وخبز يبقيه حيًا، وشيء يدفئه.
وماذا تمثل البطانية في الرواية؟
البطانية بالنسبة لي ليست مجرد قطعة قماش، وإنما هي رمز للحضن والأمان.
لذلك فإن الشخص الذي ينام تحت بطانية في خيمة قد يكون في الحقيقة يبحث عن بيت كامل.
وأحيانًا لا نحتاج إلى الكثير كي نشعر أننا بخير؛ نحتاج فقط إلى يد تمسك بنا، وشيء يدفئنا، وصوت يقول لنا: لا تخف.. أنا هنا.
هل كتبتِ الرواية من موقع الكاتبة أم من موقع الإنسان؟
من الاثنين.
الكاتبة تحاول أن تصنع الجملة، لكن الإنسان داخلها يحاول أن يفهم الألم.
وأحيانًا كنت أشعر أنني لا أكتب عن شخصيات الرواية، بل أجلس معها؛ أسمعها، وأحزن معها، وأحيانًا أبكي معها.
ولهذا لم تكن الكتابة بالنسبة لي عملية باردة، بل كانت اقترابًا من أماكن حساسة جدًا في الروح.
هل تخشين أن يتحول أدب اللجوء إلى مجرد أرقام وإحصاءات؟
نعم، لأن خلف كل رقم إنسانًا.
كل لاجئ ليس مجرد رقم في تقرير، بل هو شخص لديه اسم، وبيت، وأم، وأب، وطفولة، وأحلام، وربما صورة معلقة على جدار بيت لم يعد موجودًا.
الأدب يستطيع أن يعيد للإنسان وجهه وصوته وحكايته، وهذا أحد أسباب أهمية أدب اللجوء.
ماذا عن حضور المرأة في الرواية؟
المرأة في حكايات اللجوء تحمل أحيانًا أكثر مما تستطيع الكلمات وصفه.
هي الأم التي تحاول أن تبدو قوية أمام أطفالها، والابنة التي تخفي خوفها، والزوجة التي تحمل بيتًا كاملًا على كتفيها، والمرأة التي فقدت المكان لكنها تحاول أن تصنع مكانًا جديدًا لمن تحب.
أنا أحب المرأة التي لا تُكتب بوصفها ضحية فقط.
أحب أن أراها ناجية، وصانعة للحياة، وحافظة للذاكرة.
هل يمكن أن تكون الكتابة شكلًا من أشكال المقاومة؟
بالتأكيد.
أحيانًا تكون الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها أن نقول: أنا أتذكر.
وما دام الإنسان يتذكر، فإن الحكاية لم تمت.
الكتابة تحفظ الأشياء من الاختفاء؛ تحفظ أسماءنا، وحكاياتنا، وبيوتنا، وأصوات الذين رحلوا.
ولهذا أعتقد أن الكتابة ليست دائمًا هروبًا من الواقع، بل تكون أحيانًا مواجهة له.
في الرواية حضور للشعر والذاكرة الفلسطينية والعربية.. ماذا يعني لكِ محمود درويش؟
درويش بالنسبة لي ليس شاعر الوطن فقط، بل شاعر السؤال.
سؤال الإنسان عن مكانه، وهويته، وغربته، وعلاقته بالأرض.
عندما نقرأ درويش نشعر أن الوطن يتحول من جغرافيا إلى لغة.
وهذا قريب جدًا من فكرتي في الرواية: حين لا نستطيع العودة إلى المكان، نحاول أن نعود إليه بالكلمات.
لو استطعتِ العودة إلى مكان واحد فقط من طفولتك، إلى أين تذهبين؟
ربما لا أختار مكانًا، بل أختار لحظة.
لحظة لم أكن أعرف فيها أن الأشياء الجميلة يمكن أن تنتهي.
أريد أن أعود إلى زمن كان البيت فيه بيتًا، والناس فيه أقرب، والمستقبل لم يكن يحمل كل هذا الخوف.
ربما نحن لا نشتاق إلى الأماكن بقدر ما نشتاق إلى نسختنا القديمة ونحن فيها.
هل كتبتِ الرواية لتقولي شيئًا للقارئ أم لتفهمي شيئًا في داخلك؟
ربما الاثنين.
الكاتب يبدأ أحيانًا بالكتابة لأنه يريد أن يقول شيئًا، ثم يكتشف في منتصف الطريق أنه كان يحاول أن يفهم نفسه.
الرواية بالنسبة لي كانت سؤالًا طويلًا، وكل شخصية كانت تحمل جزءًا من الإجابة.
لكنني لا أريد أن أعطي القارئ الإجابة جاهزة، بل أريده أن يجد شيئًا من نفسه بين السطور.
ماذا تتمنين أن يشعر القارئ بعد أن يغلق «خيمة خبز وبطانية»؟
أتمنى أن يصمت قليلًا.
أن يضع الكتاب جانبًا، وينظر إلى بيته بطريقة مختلفة.
أن يلتفت إلى أمه، وإلى أبيه، وإلى كوب الشاي على الطاولة، وإلى سريره، وإلى الخبز الموجود في مطبخه.
وأن يدرك أن الأشياء التي نعتبرها عادية قد تكون حلمًا بعيدًا بالنسبة إلى إنسان آخر.
إذا جعلته الرواية يشعر بالامتنان، أو الحنين، أو التعاطف، أو حتى يطرح سؤالًا جديدًا، فقد فعلت ما أريده منها.
وأخيرًا يا سيلينا.. لو كانت «خيمة خبز وبطانية» رسالة واحدة، ماذا تقول؟

ربما تقول:
لا تستهينوا بالأشياء الصغيرة التي تمنح الإنسان شعوره بأنه ما زال حيًا.
فالخيمة قد لا تكون بيتًا، لكنها تحمي من المطر.
والخبز قد يكون بسيطًا، لكنه يبقي الإنسان حيًا.
والبطانية قد تكون قطعة قماش، لكنها في لحظة خوف قد تصبح حضنًا.
أما الوطن، فقد نفقده من الخريطة، لكننا نحمله طويلًا في القلب.
وربما لهذا كتبت الرواية؛ لأقول إن الإنسان يستطيع أن يفقد بيته، لكنه لا يفقد حقه في الحلم ببيت.
من إسطنبول..
في نهاية الحوار، بقيت «خيمة خبز وبطانية» معلقة بين سؤالين:
ماذا يبقى من الوطن عندما نغادره؟
وربما كانت الإجابة في الرواية نفسها:
تبقى رائحة الخبز.
تبقى يد الأم.
تبقى شجرة في الذاكرة.
يبقى صوت الجد.
تبقى الطرق التي مشيناها صغارًا.
وتبقى الحكاية.
لأن الإنسان قد يضطر إلى حمل حقيبته والرحيل، لكن هناك أشياء لا تدخل الحقيبة.
الوطن لا يُحمل على الكتف.. الوطن يُحمل في القلب.



