آراء

كازاخستان وقيرغيزستان تتصدران مشهد الشفافية المالية في آسيا الوسطى

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي

Advertisement

في مشهد اقتصادي وسياسي تشهد فيه دول آسيا الوسطى تنافسًا متزايدًا على جذب الاستثمارات وتعزيز الثقة الدولية، تبرز كازاخستان وقيرغيزستان بوصفهما تجربتين لافتتين في مجال الشفافية المالية والحوكمة، وإن كانت مسارات الإصلاح في كل منهما تسير بوتيرة وخصوصية مختلفة.

ويكتسب هذا الحضور أهمية خاصة في ضوء التقييم الأخير لوزارة الخارجية الأمريكية بشأن الشفافية المالية لعام 2026، والذي أظهر أن كازاخستان وقيرغيزستان هما الدولتان الوحيدتان في آسيا الوسطى اللتان استوفتا الحد الأدنى من متطلبات الشفافية المالية التي يعتمدها التقييم الأمريكي.

Advertisement

ومن المهم هنا التوضيح أن هذا التقييم لا يمثل تصنيفًا شاملاً لجودة الحوكمة أو مؤشرًا مباشرًا على مستوى الفساد في الدول المشمولة، وإنما يقيس مدى استيفاء الحكومات مجموعة محددة من معايير الإفصاح والشفافية المتعلقة بإدارة المال العام.

وشملت المراجعة الفترة من الأول من يناير وحتى 31 ديسمبر 2025، وغطت 139 حكومة حول العالم. ووفق نتائج التقرير، استوفت 73 حكومة الحد الأدنى من متطلبات الشفافية المالية، في حين لم تستوفِ 67 حكومة تلك المتطلبات، بينما أحرزت 14 حكومة تقدمًا كبيرًا خلال فترة التقييم.

وعلى مستوى آسيا الوسطى، اقتصرت قائمة الدول المستوفية للمعايير على كازاخستان وقيرغيزستان، في حين ظلت الدول الأخرى في المنطقة خارج القائمة خلال الفترة التي شملها التقييم.

الشفافية بوابة لتعزيز الثقة

يرتكز التقييم على مدى إتاحة المعلومات المالية العامة الأساسية أمام المواطنين وأصحاب المصلحة، وقدرتهم على متابعة كيفية إدارة الموارد العامة. وتشمل المعايير نشر وثائق الميزانية الوطنية، بما في ذلك بيانات الإيرادات والنفقات بحسب الجهات الحكومية، إلى جانب المعلومات الخاصة بالدين السيادي وشروط القروض الحكومية المقدمة من المقرضين الأجانب.

كما يتناول التقييم مدى استقلالية أجهزة الرقابة العليا، والإفصاح عن نتائج عمليات التدقيق، ودرجة الشفافية في قطاعات استخراج الموارد الطبيعية والمشتريات الحكومية.

وفي تقييم عام 2026، جرى تعزيز متطلبات الشفافية من خلال التأكيد على ضرورة نشر شروط القروض السيادية، بما في ذلك الالتزامات والأصول التي تكون موضع ضمان.

وتنبع أهمية هذه المعايير من أن الشفافية المالية لا ترتبط فقط بالامتثال للإجراءات، وإنما تمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز كفاءة إدارة المال العام، ورفع مستوى ثقة الأسواق، ودعم الاستدامة المالية والاقتصادية، فضلًا عن الحد من المخاطر المرتبطة بالفساد والجرائم المالية.

ومع ذلك، يوضح التقرير أن عدم استيفاء دولة ما للمعايير المحددة لا يعني بالضرورة وجود مستويات مرتفعة من الفساد فيها، كما أن استيفاء هذه المتطلبات لا يعني تلقائيًا انخفاض معدلات الفساد. فالتقييم ينصب بصورة أساسية على مدى توافر المعلومات المالية وآليات الإفصاح والرقابة.

كازاخستان.. ثقل اقتصادي وإصلاحات متنامية

تحتل كازاخستان موقعًا متقدمًا في آسيا الوسطى بالنظر إلى حجم اقتصادها وتنوع موارده، فضلًا عن دورها المتنامي في استقطاب الاستثمارات في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والزراعة والخدمات اللوجستية.

ويمنحها هذا الثقل الاقتصادي مساحة أكبر لتطوير أدوات الحوكمة والإفصاح المالي، خصوصًا مع استمرار توجهها نحو تحديث المؤسسات وتوسيع نطاق التحول الرقمي وتحسين بيئة الاستثمار والأعمال.

ومن هذا المنظور، فإن استيفاء متطلبات الشفافية المالية يمثل عاملًا يمكن أن يدعم قدرة كازاخستان على تعزيز صورتها لدى المستثمرين الدوليين، ولا سيما عندما يقترن ذلك بإصلاحات تشريعية وإدارية حقيقية، وجهود للحد من البيروقراطية، وتوسيع نطاق الخدمات الحكومية الرقمية.

قيرغيزستان.. إصلاح تدريجي وطموح اقتصادي

أما قيرغيزستان، فتسير في مسار مختلف نسبيًا، لكنها تشهد بدورها توجهًا تدريجيًا نحو تطوير مؤسسات الدولة وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز استخدام الأدوات الرقمية في الإدارة.

ويعكس إدراجها ضمن الدول المستوفية للمعايير أهمية الإصلاحات التي اتخذتها خلال السنوات الماضية، كما يمنحها فرصة لتعزيز حضورها في المنافسة الإقليمية على رؤوس الأموال والاستثمارات.

ولا شك أن تحسين الشفافية وإتاحة المعلومات المالية بصورة أكثر وضوحًا يمكن أن يساهما في بناء بيئة أعمال أكثر قابلية للتنبؤ، وهو عامل بالغ الأهمية بالنسبة للمستثمرين الذين يبحثون عن أسواق تتمتع بدرجة أعلى من وضوح القواعد والإجراءات.

دول المنطقة.. فرص وتحديات متفاوتة

أما بقية دول آسيا الوسطى، فتبدو الصورة أكثر تفاوتًا. فتاجيكستان تواجه تحديات هيكلية ترتبط بحجم اقتصادها واعتمادها بدرجة كبيرة على تحويلات العاملين في الخارج، إلى جانب الحاجة إلى تطوير مستويات الإفصاح المالي والحوكمة بصورة أوسع.

وفي المقابل، تمتلك تركمانستان مقومات اقتصادية مهمة، في مقدمتها احتياطيات الغاز الطبيعي وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وهي عوامل يمكن أن تمنحها فرصًا واسعة لتحسين حضورها الاقتصادي والاستثماري مستقبلًا، إذا ترافقت مع إرادة سياسية مستمرة لتعزيز الشفافية والإفصاح.

أما أوزبكستان، فقد بقيت خارج قائمة الدول المستوفية للمعايير في هذا التقييم تحديدًا، رغم ما تشهده من تحولات اقتصادية وإصلاحات خلال السنوات الأخيرة.

الشفافية.. استثمار في المستقبل

من وجهة نظري، فإن استيفاء كازاخستان وقيرغيزستان لمتطلبات الشفافية المالية يحمل دلالة تتجاوز حدود الامتثال الفني لمعايير دولية محددة؛ فالشفافية أصبحت اليوم جزءًا من القدرة التنافسية للدول، وعنصرًا مؤثرًا في علاقتها بالمستثمرين والأسواق والمؤسسات الدولية.

وكلما كانت المعلومات المتعلقة بالمال العام والميزانيات والديون والقروض والمشتريات الحكومية متاحة بصورة واضحة ومنتظمة، زادت قدرة المستثمر على تقييم المخاطر واتخاذ قرارات أكثر استنادًا إلى المعلومات.

ومن هنا تبدو تجربة كازاخستان وقيرغيزستان جديرة بالمتابعة، خصوصًا في ظل سعي دول آسيا الوسطى إلى تنويع اقتصاداتها، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز دورها في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في استيفاء معايير الشفافية في تقرير أو تقييم دولي، وإنما في تحويل الشفافية إلى ممارسة مؤسسية يومية ومستدامة يشعر المواطن والمستثمر معًا بأثرها.

وإذا واصلت كازاخستان وقيرغيزستان مسار الإصلاح وتطوير المؤسسات وتعزيز التحول الرقمي ومواجهة البيروقراطية، فقد تتمكنان من ترسيخ موقعهما ضمن الاقتصادات الأكثر جذبًا للثقة والاستثمار في آسيا الوسطى. وفي الوقت ذاته، تظل الفرصة قائمة أمام بقية دول المنطقة للحاق بهذا المسار والاستفادة من مقوماتها الاقتصادية والجغرافية الكبيرة.

عبدالحميد حميد الكبي

كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى