آراء

من ممر عبور إلى مركز لوجستي عالمي.. هل ينجح الرهان الكازاخستاني؟

بقلم: عبد الحميد حميد الكبي

Advertisement

لم يعد الموقع الجغرافي لكازاخستان مجرد حقيقة جغرافية تُذكر في الكتب أو التقارير الاقتصادية، بل تحول في عام 2026 إلى محور استراتيجية وطنية تسعى لإعادة تعريف دور البلاد في منظومة التجارة العالمية. فمع إطلاق الرئيس قاسم جومارت توكاييف ثلاثة مشاريع طرق استراتيجية، تتقدم كازاخستان بخطوات متسارعة نحو التحول من دولة تعبرها البضائع إلى مركز لوجستي متكامل يربط بين آسيا وأوروبا.

ويبرز في مقدمة هذه المشاريع الطريق السريع بينيو–ساكسولسك، الذي اقترح الرئيس تسميته “طريق آرال–بحر قزوين”، إلى جانب توسعة طريقي كيزيلوردا–ساكسولسك وأولجايسين–ساكسولسك. وتمتد هذه الشبكة الجديدة لأكثر من 1500 كيلومتر، لتربط المعابر الحدودية مع الصين مباشرة بمينائي أكتاو وكوريك على بحر قزوين، بما يختصر مسافات النقل ويعزز كفاءة سلاسل الإمداد عبر القارة الأوراسية.

Advertisement

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن هذه المشاريع ستختصر مسافة الشحن بين الصين وأوروبا بنحو ألف كيلومتر، كما ستقلص زمن التسليم بما يصل إلى ثلاثة أيام، مع توقع زيادة أحجام الشحن إلى 13.2 مليون طن سنوياً بحلول عام 2029، أي ما يعادل 2.5 ضعف المستويات الحالية، فضلاً عن توفير أكثر من عشرة آلاف فرصة عمل للشركات المحلية.

لكن هذه الأرقام لا تعكس مجرد توسع في شبكة الطرق، بل تكشف عن رؤية استراتيجية تستهدف تحويل كازاخستان إلى لاعب رئيسي في قطاع الخدمات اللوجستية الإقليمية. ومن هنا لم يعد السؤال يدور حول تنفيذ مشاريع البنية الأساسية، بل حول قدرة الدولة على بناء منظومة لوجستية متكاملة قادرة على المنافسة والاستدامة.

إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية

تمثل شبكة الطرق الجديدة تحولاً مهماً في فلسفة النقل داخل كازاخستان، إذ تعالج اختلالاً تاريخياً تمثل في تركيز البنية التحتية على المحور الشمالي–الجنوبي، عبر إنشاء ممرات برية فعالة تربط الشرق بالغرب داخل البلاد.

ولا تعمل هذه الطرق بمعزل عن بقية منظومة النقل، بل تتكامل مع مشاريع السكك الحديدية الجاري تنفيذها، مثل خطي مونينتي–كيزيلزار وداربازا–مكتارال المتوقع إنجازهما خلال العام الجاري، إضافة إلى مشروع بختي–أياجوز المقرر استكماله في عام 2027، بالتوازي مع التوسع المستمر في قدرات مينائي أكتاو وكوريك.

ويعكس تضاعف حجم النقل البري خلال السنوات الخمس الماضية، واقتراب إيراداته من إيرادات السكك الحديدية، التحول المتسارع لهذا القطاع إلى أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي في البلاد.

الممر الأوسط… فرصة فرضتها التحولات الجيوسياسية

أدت الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا إلى إعادة رسم مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا، وهو ما منح الممر الأوسط (TITR) فرصة استثنائية للتحول من بديل محدود الاستخدام إلى أحد أهم الممرات التجارية الدولية.

فقد ارتفعت أحجام البضائع المنقولة عبر هذا المسار من أقل من مليون طن سنوياً قبل سنوات قليلة إلى ما بين 4.1 و4.5 مليون طن خلال عامي 2024 و2025، بينما بلغ حجم الحاويات نحو 77 ألف حاوية مكافئة في عام 2025، مع استهداف الوصول إلى 300 ألف حاوية بحلول عام 2029.

وتتمثل أهم نقاط القوة في هذا الممر في عامل الزمن؛ إذ يمكن للبضائع الوصول إلى أوروبا خلال فترة تتراوح بين 15 و18 يوماً، وقد تنخفض إلى 12 يوماً في بعض المقاطع، مقارنة بفترات تمتد بين 35 و60 يوماً عبر الطرق البحرية التقليدية التي تمر بقناة السويس أو رأس الرجاء الصالح. وهذه الأفضلية تمنح الممر ميزة تنافسية واضحة بالنسبة للبضائع ذات القيمة المرتفعة أو الحساسة لعامل الوقت.

ورغم ذلك، لا تزال المنافسة قوية؛ فالممر الشمالي يحتفظ بأحجام نقل أكبر بكثير، فيما تظل الشحنات البحرية الأقل تكلفة للبضائع الضخمة. كما يواجه الممر الأوسط تحديات تتعلق بتعدد المعابر الحدودية، واختلاف وسائل النقل، والاختناقات في موانئ كازاخستان وأذربيجان وجورجيا، فضلاً عن الحاجة إلى تنسيق جمركي وتشغيلي أكثر كفاءة.

توازنات دولية تدعم المشروع

يحظى المشروع الكازاخستاني بدعم متزايد من عدة أطراف دولية، وإن اختلفت دوافع كل منها.

فالصين تنظر إلى الممر باعتباره مساراً إضافياً يعزز مبادرة الحزام والطريق، واستثمرت بالفعل في مشاريع مثل مركز الحاويات في ميناء أكتاو، مع الحفاظ على توازن علاقاتها مع موسكو.

أما روسيا، فتراقب نمو هذا الممر بحذر، نظراً لأنه يقلل من اعتماد التجارة الأوراسية على الأراضي الروسية، لكنها في الوقت ذاته تواصل تطوير ممر الشمال–الجنوب وتعزيز التعاون الثنائي مع كازاخستان، في محاولة للحفاظ على مكانتها في منظومة النقل الإقليمي.

وفي المقابل، تواصل تركيا الترويج للممر بوصفه امتداداً طبيعياً لدورها الجيوسياسي والاقتصادي، عبر اتفاقيات تعاون مع كازاخستان، وتنسيق ثلاثي مع أذربيجان وجورجيا.

كما يضع الاتحاد الأوروبي هذا المشروع ضمن أولويات مبادرة البوابة العالمية، باعتباره أحد أهم المشاريع الداعمة لتنويع سلاسل التوريد وتأمين الوصول إلى المواد الخام الاستراتيجية، مع تخصيص تمويلات بمليارات اليورو لتطوير الطرق والسكك الحديدية والموانئ والبنية الرقمية.

تحديات لا يمكن تجاهلها

ورغم الزخم الكبير، فإن المشروع لا يخلو من تحديات حقيقية.

فانخفاض منسوب مياه بحر قزوين بأكثر من نصف متر خلال السنوات الخمس الأخيرة أدى إلى تراجع الحمولة التشغيلية للسفن في مينائي أكتاو وكوريك إلى نحو 75–80% من طاقتها، ما استدعى تنفيذ عمليات تجريف مستمرة، شملت تعميق ميناء كوريك إلى ما بين سبعة وثمانية أمتار، مع استمرار العمل في أكتاو للوصول إلى أعماق تتراوح بين ستة وسبعة أمتار بنهاية عام 2026.

كما أن التكيف طويل الأمد مع هذه الظاهرة يتطلب استثمارات إضافية في سفن ذات غاطس منخفض، وتطوير الأرصفة، وتحمل تكاليف تشغيلية مستمرة بالتنسيق مع أذربيجان، ما يجعل هذه التحديات جزءاً دائماً من معادلة المنافسة وليس مجرد عقبات مؤقتة.

وتبرز أيضاً مخاطر مرتبطة بالاعتماد الكبير على حركة التجارة الصينية، فضلاً عن المنافسة الإقليمية، والحاجة إلى تسريع الرقمنة، وتوحيد الإجراءات الجمركية، وضمان تنفيذ المشاريع ضمن الجداول الزمنية والميزانيات المحددة.

بين الطموح والواقع

يمكن تصور مسارين لمستقبل المشروع حتى عام 2029.

يفترض السيناريو المتفائل اكتمال مشاريع البنية التحتية في مواعيدها، ونجاح برامج الرقمنة، وتعزيز التنسيق مع أذربيجان وجورجيا وتركيا، واستمرار الطلب العالمي على مسارات بديلة للتجارة، بما يسمح للممر الأوسط بتجاوز عشرة ملايين طن من البضائع قبل نهاية العقد، وترسيخ مكانته كأحد أهم الممرات التجارية في أوراسيا.

أما السيناريو الأكثر تحفظاً، فيفترض استمرار الاختناقات اللوجستية، وتأخر الاستثمارات، وضعف التنسيق الإقليمي، وهو ما قد يبقي كازاخستان دولة عبور مهمة، دون أن تحقق التحول الكامل إلى مركز لوجستي عالمي.

لكن المؤشرات الحالية تميل إلى السيناريو الأول، في ظل الإرادة السياسية الواضحة في أستانا، والدعم الذي يحظى به المشروع من الصين والاتحاد الأوروبي وتركيا والمؤسسات التمويلية الدولية، إلى جانب التقدم المتواصل في تنفيذ مشاريع الطرق والسكك الحديدية والموانئ.

وتبقى المؤشرات الحاسمة لقياس النجاح خلال السنوات المقبلة هي حجم الشحنات الفعلي عبر طريق آرال–بحر قزوين، وأزمنة العبور من نقطة الانطلاق إلى الوجهة النهائية، ومستويات التشغيل في مينائي أكتاو وكوريك، ومدى تطور الأنظمة الجمركية الرقمية بحلول عام 2027، فضلاً عن قدرة كازاخستان على استقطاب خدمات لوجستية وصناعات ذات قيمة مضافة تتجاوز دورها التقليدي كبلد عبور.

في نهاية المطاف، لا تراهن كازاخستان على إنشاء طرق جديدة فحسب، بل تراهن على تحويل موقعها الجغرافي إلى أصل اقتصادي دائم. وبين عامي 2026 و2029 سيتحدد ما إذا كانت البلاد قد نجحت في ترجمة الجغرافيا إلى ميزة تنافسية مستدامة، أم أنها ستظل محطة مهمة على خريطة التجارة الدولية دون أن تصبح أحد مراكزها الرئيسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى