ثقافة وفن

«شاعر المليون 12»: حين تمشي القصيدة على المسرح… وتتكلم أبوظبي بصوت الشعر

أبوظبي : سيلينا السعيد

Advertisement

في أبوظبي، لا يُقرأ الشعر بوصفه نصًا عابرًا، بل باعتباره ذاكرة تمشي على قدمين، وصوتًا يعرف طريقه إلى القلب قبل المنصة. هنا، في مسرح شاطئ الراحة، لا تتنافس القصائد على الدرجات وحدها، بل تتجاور التجارب الإنسانية، وتتصافح الحكايات، وتُختبر الكلمة في أقسى امتحاناتها: الصدق.

في الحلقة الرابعة عشرة من الموسم الثاني عشر لبرنامج «شاعر المليون»، لم يكن التأهّل مجرّد عبور تقني إلى «مرحلة الستة النهائية»، بل اعترافًا شعريًا بتجارب نضجت بما يكفي لتقف عارية أمام الضوء. حمد محيا العيباني من الكويت وعامر العايذي من السعودية حصدا 48 درجة من أصل 50، لكن ما حصده الجمهور كان أكثر من رقم: لحظة شعرية مكتملة.

Advertisement

إلى جانبهما، دخل عبد الله محمد العجمي قائمة المتأهلين عبر تصويت الجمهور، فيما بقي أربعة شعراء على حافة الانتظار، في مساحة رمادية تشبه الوقوف بين بيتٍ مكتوب وبيتٍ لم يُكتَب بعد. هنا، لا يكون الانتظار خسارة، بل احتمالًا آخر للقصيدة.

أبوظبي: حين تصبح المدينة نصًا

لا يمكن فصل «شاعر المليون» عن المكان الذي يحتضنه. فأبوظبي لا تستضيف الشعر بوصفه حدثًا موسميًا، بل تتعامل معه كجزء من بنيتها الثقافية العميقة. وفي حضور معالي فارس خلف المزروعي وعدد من القيادات الثقافية، بدا المشهد وكأنه إعلان صريح: الشعر هنا مشروع دولة، لا ترف أمسية.

هذا الحراك الثقافي الذي تعيشه الإمارة، من دعم التراث إلى الفنون والكتاب، يجعل القصيدة جزءًا من خطاب حضاري أوسع. في أبوظبي، لا يُنقَذ التراث بحفظه في الذاكرة فقط، بل بإعادته إلى الحياة، إلى المسرح، إلى صوت الإنسان.

فن الهمبل… حين يتكلم الماضي بلهجة الحاضر

كانت فقرة «فن الهمبل» أكثر من استراحة تراثية؛ كانت تذكيرًا بأن الشعر النبطي لم يولد على المنصات، بل في الصحراء، في سباقات الهجن، وفي النداء الأول للإنسان على المكان. أداء قصيدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لم يكن مجرد وفاء، بل إعادة وصل بين المؤسس والجيل الجديد، بين القصيدة الأولى والقصيدة القادمة.

أما شرح الدكتور سلطان العميمي، فجاء أقرب إلى استعادة للمعنى منه إلى تفسير أكاديمي: لماذا ظل الشعر حيًا؟ لأنه لم ينفصل يومًا عن الناس.

حين يُمتحن الشاعر لا الوزن

جاء «تحدي المعيار الثاني» ليضع الشعراء أمام اختبار قاسٍ: كيف تكتب قبل عوشة بنت خليفة السويدي دون أن تُقلّدها، وكيف تُمهّد لبيتها دون أن تطغى عليه؟ هنا، لا يُقاس الشاعر بقدرته على الوزن وحده، بل بقدرته على التواضع أمام النص.

قصائد تشبه أصحابها

حمد محيا العيباني كتب كما لو أنه يهمس لنفسه؛ قصيدته لم تصرخ، لكنها تركت أثرها مثل وجعٍ مؤجّل. صور شفافة، ألم هادئ، وتناصّ لا يُستعرض، بل يُوظَّف كما تُوظَّف الذاكرة حين تضيق اللغة.

حسام بن فَيّاح اختار الصباح لا كوقت، بل كفلسفة، فجعل الفجر كائنًا حيًا يتنفس ويوقظ العالم من داخله. كانت قصيدته حركة لا تعرف السكون.

أما عامر العايذي، فوقف عند أكثر النقاط هشاشة: الأبوة والغياب. لم يكتب عن ابنه ليبكي، بل ليبقى. قصيدة مشغولة على الحد الفاصل بين العاطفة والانضباط، بين القلب والعقل، حتى بدت كأنها رسالة مؤجلة لا تريد أن تنتهي.

فارس العامري السبيعي طرح سؤالًا قديمًا جديدًا: ماذا تفعل الكلمة حين لا ننتبه لها؟ فجاءت قصيدته بيانًا أخلاقيًا لا يعلّم بقدر ما يذكّر.

موسى محمد بطي القبيسي كتب كمن يحمل كاميرا داخلية؛ التفاصيل الصغيرة تحولت إلى مشاهد، والذاكرة إلى شريط لا يتوقف.

أما صاهود زيد الرضيان، فحوّل الرثاء إلى موقف. لم يبكِ الشهيد، بل رفعه إلى مقام الوطن، حيث يصبح الحزن شكلًا من أشكال الفخر.

«شاعر المليون»: أكثر من مسابقة

في «شاعر المليون»، لا تُصنع النجومية بقدر ما تُختبر التجربة. البرنامج في هذا الموسم يثبت أنه ليس مسابقة تبحث عن الأفضل فحسب، بل منصة تبحث عن الحقيقي. وفي قلب هذا كله، تقف أبوظبي لا كمدينة مضيفة، بل كشريك ثقافي، يعرف أن الشعر حين يُصان، يصير مستقبلًا.

في هذه الحلقة، لم تنتصر قصيدة على أخرى، بل انتصرت الكلمة على الضجيج. هنا، في أبوظبي، ما زال للشعر متّسع، وللشاعر مكان، وللقصيدة حقها في أن تُقال كاملة… دون اعتذار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى