الصين ترسم ملامح التنمية عالية الجودة مع انطلاق خطتها الخمسية الجديدة

بكين : خالد عرابي (شينخوا)
حددت الصين مؤخرًا هدفًا لنمو اقتصادها يتراوح بين 4.5 و5 بالمائة خلال عام 2026، في خطوة تهدف إلى تحقيق انطلاقة قوية مع بداية الخطة الخمسية الجديدة التي تسعى إلى ترسيخ نموذج التنمية عالية الجودة، وتقديم قدر أكبر من الاستقرار واليقين للاقتصاد العالمي الذي يواجه تحديات متزايدة.
ووفقًا لتقرير عمل الحكومة الذي قُدم إلى الهيئة التشريعية العليا في الخامس من مارس الجاري، فإن الهدف المحدد لنمو الناتج المحلي الإجمالي يتوافق مع الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى للصين حتى عام 2035، كما يعكس الإمكانات الحقيقية للنمو المستدام في الاقتصاد الصيني.
وفي هذا السياق، أوضح شن دان يانغ، رئيس الفريق المسؤول عن إعداد تقرير عمل الحكومة، أن هدف النمو لعام 2026 يجمع بين الطابع الاستباقي والواقعية الاقتصادية، إذ يستند إلى تقييم شامل للظروف الداخلية والتحولات التي تشهدها البيئة الاقتصادية العالمية.

وأضاف أن معدل النمو المتوقع يظل من بين الأعلى بين الاقتصادات الكبرى في العالم، الأمر الذي يعكس متانة الاقتصاد الصيني وقدرته على الحفاظ على ديناميكية النمو رغم التحديات الدولية.
من جانبه، قال تشانغ يينغ، مساعد عميد كلية قوانغهوا للإدارة في جامعة بكين، في تصريح لوكالة أنباء شينخوا، إن الرسالة التي تبعث بها الصين إلى المجتمع الدولي واضحة، وهي أن البلاد لم تعد تسعى إلى سرعة النمو فقط، بل تركز على جودة التنمية واستدامتها.
وأشار إلى أن هدف النمو المعلن لهذا العام يعكس التزام الصين الثابت بتعزيز نموذج اقتصادي أكثر توازنًا وابتكارًا.
وأكد تقرير عمل الحكومة أن البلاد ستبذل جهودًا عملية لتحقيق أداء اقتصادي أفضل خلال العام الجاري، مستفيدة من مجموعة من الظروف والعوامل الداعمة لتحقيق هذا الهدف.

تعزيز محركات النمو
وحدد التقرير مجموعة من المهام الرئيسية للعام الحالي، من بينها تعزيز قوة السوق المحلية، وتسريع تطوير محركات نمو جديدة، وتعزيز الاعتماد على الذات في مجالات العلوم والتكنولوجيا.
ولتحقيق هذه الأهداف، ستواصل الصين اتباع سياسة مالية أكثر نشاطًا إلى جانب سياسة نقدية تيسيرية معتدلة، وهي خطوات تهدف إلى ضمان استمرارية السياسات الاقتصادية وتوفير قدر أكبر من الاستقرار في ظل التوترات التجارية والجيوسياسية التي يشهدها العالم.
وبفضل ثقلها الاقتصادي العالمي، أصبحت توجهات السياسة الاقتصادية الصينية ذات تأثير واسع على الاقتصاد الدولي. فقد سجل الاقتصاد الصيني خلال الخطة الخمسية الرابعة عشرة (2021 – 2025) متوسط نمو سنوي بلغ 5.4 بالمائة، وهو معدل يفوق المتوسط العالمي بكثير، كما ساهمت الصين بنحو 30 بالمائة من النمو الاقتصادي العالمي.

كما حافظت الصين على موقعها كثاني أكبر مستورد في العالم لمدة 16 عامًا متتالية، إلى جانب كونها أكبر دولة متاجرة بالسلع عالميًا، فضلاً عن كونها شريكًا تجاريًا رئيسيًا لأكثر من 160 دولة ومنطقة حول العالم.
وتشير توقعات البنك الدولي إلى احتمال تراجع النمو الاقتصادي العالمي إلى 2.6 بالمائة في عام 2026، وهو ما قد يجعل العقد الحالي أضعف فترات النمو العالمي منذ ستينيات القرن الماضي.
وأشار تقرير عمل الحكومة إلى أن الإنجازات الاقتصادية التي تحققت خلال العام الماضي لم تأت بسهولة، حيث واجهت البلاد تحديات معقدة تمثلت في تداخل الصدمات الخارجية مع صعوبات داخلية، ما تطلب اتخاذ قرارات اقتصادية دقيقة في ظل ظروف غير مسبوقة.
رؤية طويلة المدى
وفي خطوة تعزز الثقة في مستقبل الاقتصاد الصيني، كشفت بكين مؤخرًا عن أولويات التنمية ضمن الخطة الخمسية الخامسة عشرة للفترة 2026 – 2030.
وتضع الخطة هدفًا استراتيجيًا يتمثل في مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بعام 2020 بحلول عام 2035، بما يرفع الصين إلى مستوى الدول متوسطة التقدم.

وتتبنى الخطة نهجًا مرنًا في تحديد أهداف النمو السنوية، حيث سيتم تحديدها عامًا بعد عام وفق المتغيرات الاقتصادية، وهو ما يعكس مزيجًا من الثقة في المسار التنموي والوعي بالتحديات المستقبلية.
وتُعد هذه المرحلة محطة محورية في مسيرة التحديث الصيني، إذ لا تقتصر أهدافها على النمو الاقتصادي الداخلي، بل تمتد لتشمل تعزيز التأثير العالمي للصين عبر الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة وتوسيع العلاقات التجارية وتعزيز التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
التكنولوجيا في قلب التحول الاقتصادي
وفي إطار هذه الرؤية، تخطط الصين لتسريع تطوير الصناعات الناشئة وصناعات المستقبل خلال الفترة بين عامي 2026 و2030، مع التركيز على مجالات متقدمة تشمل:
تكنولوجيا الكم
التصنيع البيولوجي
طاقة الاندماج النووي والهيدروجين
واجهات الدماغ والآلة
الذكاء الاصطناعي المتجسد
تقنيات الجيل السادس للاتصالات
ويرى هو جين بوه، المستشار السياسي الوطني ورئيس معهد شانغهاي للكيمياء العضوية، أن السنوات الخمس المقبلة تمثل مرحلة حاسمة لانتقال الاقتصاد الصيني من النمو السريع إلى التنمية عالية الجودة، مشيرًا إلى أن الابتكار العلمي والتكنولوجي سيكون المحرك الرئيسي لهذا التحول.
فرص أوسع للتعاون الدولي
ومع تحقيق الصين تقدمًا متزايدًا في الابتكار التكنولوجي، يرى الخبراء أن الدول النامية يمكنها الاستفادة من التجربة الصينية لتسريع عمليات التصنيع لديها، في حين ستجد الدول المتقدمة فرصًا جديدة للتعاون في مجالات التصنيع المتقدم والتكنولوجيا المتطورة.
وعلى المدى الطويل، لا يقتصر تأثير الاقتصاد الصيني على معدل النمو فقط، بل يمتد إلى طبيعة هذا النمو. فقد وضعت الصين هدفًا واضحًا يتمثل في زيادة حصة استهلاك الأسر من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة.
وفي ظل التوترات التجارية العالمية والانقسامات الجيوسياسية، تمثل تعهدات الصين بالحفاظ على نمو مستقر وفتح سوقها الواسعة أمام العالم عنصر استقرار مهم للاقتصاد الدولي.
ووفقًا لتحليل نشرته وكالة بلومبرغ نقلًا عن روبن شينغ، كبير الاقتصاديين الصينيين في مؤسسة مورغان ستانلي، فإن اقتصاد الصين الأكثر توازنًا والمدعوم بزيادة الطلب المحلي سيخلق تأثيرات إيجابية واسعة على الاقتصاد العالمي.
وأوضح أن الشركات المحلية والأجنبية على حد سواء ستستفيد من عمق السوق الصينية واتساعها، وهو ما قد يسهم في تخفيف آثار التحديات الجيوسياسية الراهنة.
وبحسب تقرير عمل الحكومة، تعتزم الصين خلال العام الجاري تعميق الإصلاحات المؤسسية لتعزيز الاستثمار الأجنبي، مع توسيع فرص الوصول إلى السوق وفتح مزيد من القطاعات، خصوصًا في مجال الخدمات.
وأشار تشانغ يينغ إلى أن الصين توفر ثلاث مزايا رئيسية للمستثمرين العالميين، وهي سوق موحدة ضخمة ذات قوة شرائية متنامية، وسلاسل إمداد فعالة منخفضة التكلفة، وبيئة تنظيمية أكثر انفتاحًا وتشجيعًا للاستثمار.
واختتم بالقول إن هذه المقومات، في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية، تجعل من الصين وجهة جذابة للمستثمرين والشركات الدولية.



