نزوى … حين تهمس الجبال بحكمة الأزمنة

بقلم: سيلينا السعيد
في حضن الجبال العُمانية، وعلى ضفاف التاريخ المتدفق ، تتوسد مدينة نزوى عباءة الزمان، وتنساب جدائلها في رياح الروح. ليست نزوى مجرد مدينة ، بل هي قصيدة محفوظة في كتاب الذاكرة العُمانية، حيث يمتزج الجلال بالحكمة، ويصافح التراث ظل النخيل.
هنا، في نزوى، لا تحتاج إلى غلق عينيك لتسافر في الزمن. يكفي أن تمشي بين أزقتها لتسمع وقع أقدام العلماء، وصدى مناظرات الفقهاء، وعبير الكلمات التي كانت تنسج بين جدرانها منذ قرون. كانت وما زالت عاصمة للعلم والإيمان، ومقرًا للإمامة، ومرجعًا دينيًا، سياسيًا، وثقافيًا لعُمان.
نزوى… حيث الحكمة تتدفق من النخيل
تُعرف نزوى بأنها “بيضة الإسلام” في عُمان، وذلك لدورها الريادي في مجال العلم والفكر. كانت وما زالت معقلًا للعلماء والمفكرين، وعلى رأسهم الإمام جابر بن زيد الأزدي، مؤسس المذهب الإباضي. من أفكاره انطلقت مدارس فقهية شكلت ملامح العقل العُماني حتى يومنا هذا.
هنا، أقيمت حلقات العلم تحت ظلال الأشجار، وتربى الفتيان على الحرف والكلمات. ولا تزال المدينة منارة للعلماء، ويذكر منها الشيخ السالمي، وأبو مسلم البهلاني، وغيرهم من رجال النور الذين خطوا بالفكر صفحات من الحضارة.
قلعة نزوى… قلب من حجر ينبض بالتاريخ
حين تقف أمام قلعة نزوى الشهيرة، تشعر وكأنك تنتقل عبر الزمان. بُنيت في القرن السابع عشر بأمر من الإمام سلطان بن سيف اليعربي، وهي من أكبر القلاع في السلطنة. يرتفع برجها المستدير عالياً كعين تسهر على المدينة، وتختزن جدرانها رائحة البارود، وصدى الخطوات التي دافعت عن الأرض والعقيدة.
تأخذك دهاليزها إلى أسرار المعارك، وأروقتها إلى مجالس القضاء، وسجونها إلى صرامة العدل الذي ساد. إنها ليست مجرد معلم أثري، بل ذاكرة منقوشة في الحجر.
سوق نزوى… عطر الزمان الذي لا يشيخ
عندما تطأ قدماك سوق نزوى التاريخي، تجد نفسك داخل عالم من الأصالة. روائح اللبان، والبخور، والتوابل تحيط بك كما عباءة أبدية. هناك، ترى الحرفيين ينحتون الفضة، والنساء يبعن الطيب، وتلامس عينك سيوفًا وقمريات محفورة بالفن التقليدي.
في السوق، يلتقي الزائر مع جمال الثقافة الشعبية، وتختلط اللهجة العُمانية بضحكات الزمن. إنه المكان الذي لا يزال يحتفظ بطقس المساومة ونبض الحكايات المتوارثة.
الفن والثقافة… عزف على أوتار الروح
نزوى ليست جامدة كقلاعها، بل حية كأنغام فنها. تُقام فيها الفعاليات الثقافية والمهرجانات السنوية التي تستقطب الكتاب والشعراء والحرفيين. لعل مهرجان نزوى الثقافي هو أبرز هذه الفعاليات، حيث تتحول المدينة إلى منصة للإبداع. تحت قباب التاريخ، تُقرأ القصائد، وتُعرض اللوحات وسط عبق الماضي.
وتظل نزوى متميزة بحرفها اليدوية، كصناعة الخناجر، والنحاسيات، والفخاريات، والخوصيات، وكلها تُمارس اليوم كطقس من العشق للتاريخ.
الأحداث… حين تتحدث الأرض
شهدت نزوى عبر التاريخ محطات مفصلية. كانت عاصمة لعُمان في عهد اليعاربة، ومقرًا للإمامة الإباضية، ومنها انطلقت حركات الإصلاح والنهوض ضد الاستعمار البرتغالي. كما شهدت تحولات سياسية وفكرية شكلت جزءًا من الحراك الذي قاد إلى بناء النهضة العمانية الحديثة.
في العصر الحديث، تواصل نزوى دورها الثقافي والمعرفي عبر جامعة نزوى، التي تجمع بين الأصالة والحداثة، وتُعد واحدة من أبرز الجامعات في سلطنة عُمان.
نزوى… طمأنينة الماء وظلال السدرة
نزوى هي مدينة تشبه تسبيحة. فيها أفلاج تجري بهدوء كدعاء، وواحات نخيل تهمس بسر الحياة. هي المدينة التي تُصلي بالطين، وتكتب بالشمس، وتبني بالحكمة. عندما تزورها، لا تعود كما كنت، لأنها تترك فيك أثرًا يشبه الندى، ونورًا يشبه أول الفجر.
في نزوى، لا تبحث فقط عن التاريخ، بل عن ذاتك. هناك، بين جدران القلعة وسعفة نخيل، قد تسمع صوتًا داخليًا يقول لك:
“هنا… تبدأ الحكاية.”