من التخطيط السرّي إلى التعثّر الميداني: كيف انهارت «عملية الملك»؟

بقلم: مريم سليم
لم تكن «عملية الملك» مجرّد تحرّك معارض تقليدي، بل مشروعاً مركّباً جرى تصميمه بعقلية هندسة الأنظمة، واستند إلى فرضية مفادها أن إسقاط الجمهورية الإسلامية لا يكتمل من دون إعداد بديل سياسي ودستوري مُسبق. وعلى مدى سنوات، تحرّك القائمون على المشروع في صمت لبناء سيناريو متكامل لمرحلة ما بعد إيران، بإشراف خارجي مباشر، وباستخدام أدوات سياسية وإعلامية وأمنية متداخلة. غير أن ما أغفله المخططون هو أنّ هذا المسار كان، منذ بداياته الأولى تقريباً، تحت أعين الأجهزة الأمنية الإيرانية، التي فضّلت مراقبته وتفكيكه تدريجياً بدل إجهاضه بصورة متسرّعة.
في قلب هذه البنية المعقّدة، برز اسم نازنين برادران باعتبارها إحدى الركائز الأساسية في البعد السياسي للمشروع. امرأة ذات خلفية قانونية، جرى تدويرها داخل الشبكات التنظيمية بعدة أسماء مستعارة، أبرزها «رها» و«برهام»، في محاولة لإخفاء موقعها الحقيقي. ولم تكن مهمتها هامشية؛ إذ أُسند إليها إعداد مسودة دستور لمرحلة ما بعد سقوط النظام، في مؤشر واضح إلى أن المخطط لم يراهن على الاحتجاج والفوضى فحسب، بل سعى إلى تقديم نموذج حكم بديل «جاهز للاستخدام» مع لحظة الانهيار المفترضة. وكان يُراد لها لاحقاً أن تتحوّل إلى واجهة سياسية، وربما إلى رمز ميداني في مرحلة انتقالية يُتوقع أن تتسم باضطراب عميق واختلال في موازين القوى.
غير أن هذا الدور لم يتكوّن في فراغ. فالمعطيات تشير إلى أن برادران تلقت توجيهاً مباشراً أثناء وجودها في الولايات المتحدة من آدم لوفينغر، ضابط الاستخبارات في وزارة الدفاع الأميركية، المعروف بمشاركته في مرحلة ما بعد غزو العراق، ولا سيما في صياغة الدستور الجديد هناك. ويعكس حضور لوفينغر في هذا السياق، وفق هذه القراءة، محاولة لاستنساخ نماذج سابقة في «إعادة تشكيل الدول»، وتطبيق خبرات تراكمت خلال تجارب سابقة ضمن إطار سياسات الضغط القصوى على إيران.
ومع اكتمال الإطار النظري للمشروع، انتقل القائمون عليه إلى مرحلة أكثر جرأة سياسياً، تمثلت في كسر خطوط كانت تُعدّ محرّمة، عبر الإعلان العلني عن التواصل مع الكيان الصهيوني. لقاءات وزيارات ونقاشات مفتوحة تناولت سيناريوهات إسقاط النظام الإيراني، في خطوة كشفت حجم الرهان الخارجي على هذا المخطط. ووفق المعلومات المتداولة، شارك رضا بهلوي في هذه التحرّكات، بالتوازي مع إعداد وثيقة استراتيجية وُصفت بأنها «خارطة الطريق» للعملية، فيما جرى تحديد الإطار الزمني للتنفيذ بين عام 2025 ومطلع 2026، مع مساعٍ متواصلة لانتزاع اعتراف دولي مبكر بحكومة معارضة بديلة تُقدَّم بوصفها خياراً جاهزاً للمجتمع الدولي.
وفي موازاة ذلك، لم يُترك الرأي العام خارج الحسابات. فقد خُصصت ميزانية تُقدّر بنحو نصف مليون دولار لإنشاء ما أُطلق عليه «جيش سيبراني»، يتولى إدارة حرب نفسية رقمية تستهدف تشويه صورة الجمهورية الإسلامية، وبث الارتباك في الداخل، والتأثير في المزاج الدولي. وترافقت هذه الجهود مع تحركات سياسية وإعلامية منظّمة للتقرّب من شخصيات أميركية وصهيونية معروفة بمواقفها العدائية تجاه طهران، في محاولة لبناء شبكة دعم سياسية وإعلامية متزامنة مع التحرك الميداني المفترض.
لكن، وعلى خلاف ما رسمه مهندسو «عملية الملك»، لم تتقدّم الخطة إلى مرحلة التنفيذ. فبحسب تقديرات أمنية، جرى رصد نشاط التنظيم في وقت مبكر، ومتابعة تحركات أفراده وخطوط تواصله بدقة عالية، ضمن استراتيجية هدفت إلى كشف كامل الشبكة لا الاكتفاء بقطع بعض أطرافها. وتشير هذه التقديرات إلى أن ما كُشف حتى الآن قد لا يمثل سوى جزء من الصورة الكاملة، وأن المرحلة المقبلة قد تحمل معطيات أكثر حساسية، من شأنها إزاحة الستار عن عمق المشروع وتشابكاته الإقليمية والدولية، والأهداف الحقيقية التي كان يسعى إلى تحقيقها.



