آراء

كيف تبني أوزبكستان نموذجًا تنمويًا جديدًا في آسيا الوسطى؟

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي

Advertisement

أطلقت جمهورية أوزبكستان في أبريل 2026 النسخة المحدثة من استراتيجية “أوزبكستان 2030″، وذلك عقب اعتمادها رسميًا في 16 فبراير من العام ذاته بموجب مرسوم رئاسي، لتشكل الإطار الاستراتيجي الأبرز للتنمية الوطنية خلال الفترة (2026–2030).

وجاء هذا التحديث ثمرة تقييم شامل للإنجازات المتحققة بين عامي 2023 و2025، إلى جانب حوار مجتمعي واسع شارك فيه آلاف المواطنين والخبراء، في تجسيد عملي لنهج “الدولة في خدمة الشعب” الذي يؤكد عليه الرئيس شوكت ميرضيائيف.

Advertisement

وتركز الاستراتيجية المحدثة على تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتعزيز الاستدامة البيئية، وتطوير رأس المال البشري، إلى جانب ترسيخ الحوكمة الفعالة وتحسين جودة الحياة، باعتبارها أولويات وطنية مترابطة.

أداء اقتصادي لافت ومؤشرات صاعدة

شهد الاقتصاد الأوزبكي خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من نحو 107.5 مليار دولار في 2023 إلى أكثر من 145 مليار دولار في 2025، مسجلًا نموًا بلغ 7.7% خلال عام 2025، وهو الأعلى في خمس سنوات.

كما انعكس هذا الأداء على المؤشرات الاجتماعية، إذ انخفض معدل الفقر من 11% إلى 5.8%، وتراجعت البطالة إلى نحو 4.8%، ما أسهم في تحسين مستويات الدخل ورفع ملايين المواطنين فوق خط الفقر.

التحول الأخضر واستعادة التوازن البيئي

في سياق التوجه نحو الاقتصاد الأخضر، خصصت الحكومة عام 2025 ليكون عامًا لحماية البيئة، حيث أطلقت برامج واسعة لزراعة ملايين الأشجار وتوسيع الرقعة الخضراء، خاصة في المناطق المحيطة بـ بحر الآرال التي تعاني من أزمة بيئية مزمنة.

كما شهد قطاع الطاقة المتجددة توسعًا ملحوظًا، مع استهداف رفع مساهمتها إلى 54% بحلول 2030، وزيادة القدرة الإنتاجية إلى عشرات الغيغاواط، بدعم من السندات الخضراء السيادية وتدفقات الاستثمار الأجنبي المستدام.

اقتصاد متنوع ورؤية طموحة للنمو

اعتمدت أوزبكستان في تعزيز نموها على تنمية الصادرات غير النفطية، وتفعيل مبادرات دعم القطاع الخاص، خاصة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، من خلال نماذج شراكة مبتكرة.

وتستهدف الاستراتيجية رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 240 مليار دولار بحلول 2030، وزيادة متوسط الدخل الفردي إلى نحو 5800 دولار، بما يؤهل البلاد للانضمام إلى شريحة الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع.

إصلاحات اجتماعية ورقمنة الخدمات

على الصعيد الاجتماعي، توسعت الحكومة في التعليم قبل المدرسي، وعملت على تحديث البنية التعليمية وتزويد المدارس بمختبرات حديثة، إلى جانب تحسين أوضاع المعلمين.

وفي القطاع الصحي، تم تطوير المرافق الطبية وتطبيق حلول رقمية لتقليل فترات الانتظار وتحسين جودة الخدمات. كما استفاد ملايين المواطنين من برامج التحول الرقمي ضمن مبادرة “الرقمنة 2030″، التي تهدف إلى ترسيخ مكانة أوزبكستان كمركز إقليمي للتكنولوجيا والابتكار.

قراءة تحليلية: من النمو الكمي إلى النوعي

يمثل تحديث الاستراتيجية تحولًا نوعيًا من التركيز على النمو الكمي إلى تبني نموذج تنموي أكثر استدامة وجودة، يقوم على الاقتصاد الأخضر والحوكمة الرقمية.

ويتعزز هذا التوجه من خلال شراكات دولية فاعلة مع الأمم المتحدة، والبنك الدولي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بما يوفر دعمًا فنيًا وتمويليًا يسهم في تسريع تنفيذ الأهداف الاستراتيجية.

أوزبكستان كلاعب إقليمي صاعد

في سياق آسيا الوسطى، تبرز أوزبكستان كفاعل إقليمي نشط يسهم في تعزيز التكامل الإقليمي، لا سيما في مجالات المياه والطاقة والنقل، وهو ما يعزز فرص تحول المنطقة إلى فضاء للتعاون والاستقرار بدلًا من التوترات التقليدية.

تحديات قائمة وفرص واعدة

ورغم التقدم المحقق، لا تزال هناك تحديات تتطلب معالجة مستمرة، أبرزها تقليل الاعتماد على الصادرات الخام، وتعزيز الابتكار المحلي، وتوسيع نطاق التمويل المناخي لمواجهة تداعيات التغير المناخي، خاصة في منطقة بحر الآرال.

وفي المقابل، تفتح هذه التحولات آفاقًا واسعة لشراكات اقتصادية مع دول الخليج، خصوصًا في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية والسياحة المستدامة.

وفي هذا الإطار، تبرز سلطنة عمان كشريك محتمل، في ظل تقاطع الرؤى التنموية، خاصة مع “رؤية عُمان 2040” التي تشترك مع التجربة الأوزبكية في أولويات التنويع الاقتصادي والاستدامة.

رؤية ختامية

تمثل استراتيجية “أوزبكستان 2030” نموذجًا تنمويًا متوازنًا يجمع بين الطموح والإصلاح الواقعي، ويؤسس لمرحلة جديدة من النمو المستدام القائم على الإنسان والبيئة.

فالإنجازات المحققة حتى الآن، من نمو اقتصادي قوي إلى انخفاض معدلات الفقر، تعكس جدية التوجهات الحكومية، بينما يظل نجاح المرحلة المقبلة مرهونًا باستمرار الإصلاحات وتعزيز الشراكات الدولية.

وفي المحصلة، تفتح التجربة الأوزبكية آفاقًا واعدة لتعاون إقليمي أوسع، يعزز الترابط بين آسيا الوسطى ودول الخليج، ويؤسس لنموذج تنموي قابل للاستلهام في الدول النامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى