GreatOffer
آراء

في غياب الحروف : ماذا لو كان محمود درويش حيًّا؟

بقلم: سيلينا السعيد

Advertisement GreatOffer

لو كان محمود درويش حيًّا اليوم ، لكان يجلس في زاوية مقهى صغير ، يطلّ على البحر الحالم. أي بحر؟ شاطئ يحتضنه لبنان أو سوريا أو مصر ، لا فرق. يرتشف قهوته العربية المُرّة ، ودخان سيجارته يلفّ الكلمات في سحابات ضبابية.

كان يهمس للأمواج الهائجة بحذر ، كما لو كان يخشى أن يوقظ الكلمات النائمة في صدره. يضرب الموج الصخور ، ويعزف لحنًا غير مكتمل: “وتكبر فيّ الطفولة يوما…”. يتساءل في صمت : هل ما زالت الأرض تضيق بأحلام أهلها؟ هل ما زال الوطن يُعشعش في الذاكرة كقصيدةٍ لم تكتمل؟

Advertisement

ربما كان سيكتب عن طفل على شاطئ غزة ، يطير بطائرته الورقية فوق الأنقاض ، يرسل رسائل سماوية حرة لا تعرف الحدود. أو عن امرأة بلون القمح والزعتر ، تنسج أملاً هاربًا في خيط تطريز. عن شجرة زيتون عتيقة ما زالت تذكر أسماء من عبروا تحت ظلّها. كان سيكتب عن وطن أصبح خريطة في جيب المنفى ، وعن المنفى الذي صار وطنًا ضيقًا كحقيبة سفر.

ربما كان سيُكمل قصيدة هاربة من دفتره ، أو بيت شعر تمرد في حقيبة سفره. أو ربما كان سيضيف سطرا آخر للمارة عبر قصائده ، تلك التي لا تُقدّر بثمن. “أيها المارّون بين الكلمات العابرة ، احملوا أسماءكم وانصرفوا ، اسحبوا ساعاتكم من وقتنا ، وانصرفوا ، وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة. خذوا ما شئتم من صورٍ ، كي تعرفوا أنكم لن تعرفوا كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقف السماء”.

لو كان محمود درويش حيًّا ، لربما سأل العالم: كم مرّة يجب أن نموت لنثبت أننا أحياء؟ كم مرة يجب أن نكتب لنُقرأ؟ وكم مرة يجب أن نُقرأ لنُفهم؟

ربما كان سيجلس في غرفته ليلاً ، يسجّل على جدرانها “أنا عربي”، يهمس إلى الضوء المتسلل من الشباك الماطر ، ويتنهد: “أنا لستُ لي ، أنا للشعر وللحكايات التي لم تُروَ بعد”. ثم ، يأخذ قلمه ، ويكتب:

“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

ثم يتوقف ، يتأمل ، ويهمس للسراج المتوهج: “لكن ، هل ما زالت الأرض تذكرني؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى