أكاديمية الفنون الشعبية العُمانية.. مشروع وطني لحفظ الهوية وبناء المستقبل

بقلم: معمر اليافعي (ابن الحصن)
في كل أمة لحظات إدراك تدفعها إلى إعادة النظر في ذاتها: ماذا نملك؟ ماذا نفقد؟ وكيف نصنع مستقبلنا من ماضينا؟ وفي عُمان، السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يكفي أن نحمل الفنون الشعبية كذكرى في المناسبات، أم أننا بحاجة إلى مؤسسة حيّة تحفظها، تطوّرها، وتمنحها لغة جديدة تخاطب بها العالم؟ هنا تبرز فكرة إنشاء أكاديمية للفنون الشعبية العُمانية؛ مشروع لا يُبقي التراث في دائرة العرض الفلكلوري، بل يحوّله إلى علمٍ يُدرّس، ومجالٍ للإبداع، وقوة ناعمة تُسهم في الاقتصاد والثقافة والهوية.
الفنون الشعبية
الفنون الشعبية ليست مجرد رقصات أو أغانٍ تُقدّم في الأعراس والمهرجانات، بل هي الذاكرة الجمعية للشعب. هي التي تحفظ فلسفته في مواجهة الحياة، وتكشف كيف فهم الطبيعة، وكيف عبّر عن مشاعره العميقة بأبسط الأدوات. فالأغاني البحرية كانت صلاة الصياد للموج، وتعبيرًا عن أمل العودة بالغنيمة. والبرعة لم تكن مجرد رقصة، بل إعلان فرح وشهادة على وحدة الجسد والروح مع الأرض. والأمثال والحكايات الشفوية هي الجامع الذي يختصر الحكمة الشعبية في كلمات قليلة. والحرف اليدوية كالنسيج وصناعة المجامر والفضيات لم تكن زينة، بل لغة اقتصادية وجمالية عاشت قرونًا. لكن كل هذا اليوم مهدد بالاندثار. ليس لأن الناس نسوه عمدًا، بل لأننا لم نوفر له بيئة مؤسسية تحفظه.
خطر الاندثار
العالم يتغير بسرعة مذهلة، والأجيال الجديدة تعيش في فضاء رقمي يلتهم الذاكرة التقليدية. إذا لم نوثق ونعلم الفنون الشعبية، فسوف تختفي تدريجيًا من الحياة اليومية. ومن جهة أخرى، فإن الفنون الشعبية يمكن أن تتحوّل إلى مورد اقتصادي كبير عبر السياحة الثقافية والصناعات الإبداعية والعروض العالمية. كثير من الدول صنعت ثروتها من تحويل الفلكلور إلى منتج عالمي، بينما نحن ما زلنا نضعه في إطار فولكلوري محدود. كذلك، فإن العالم اليوم يحترم الشعوب التي تُقدّم هويتها بجرأة. الأغنية والرقص والحكاية الشعبية كلها أدوات للتأثير الثقافي والإنساني تتجاوز حدود السياسة. والأهم أن الأكاديمية يمكن أن تبني أجيالًا جديدة من الباحثين والفنانين، الذين لا يكتفون بحفظ التراث، بل يعيدون صياغته بلغة تناسب العصر.
مشروع مؤسسي متكامل
إن إنشاء أكاديمية للفنون الشعبية العُمانية يعني بناء صرح حيّ يضم أقسامًا متخصصة في الغناء والموسيقى التقليدية، والرقصات الشعبية، والحكاية الشفوية، والحرف التقليدية، والفنون البصرية. ويمنح شهادات أكاديمية في هذه المجالات، ويُنشئ مراكز أبحاث تهتم بجمع وتوثيق الأغاني القديمة والتقاليد غير المادية. كما يمكن أن تكون الأكاديمية مركزًا توثيقيًا، يضم أرشيفًا وطنيًا رقميًا للفنون الشعبية، يحفظ بالصوت والصورة كل ما تبقى من هذا التراث، ويعيد صياغته في كتب للأطفال، ومناهج تعليمية للمدارس، وأفلام وثائقية تُعرّف العالم بعُمان وهويتها.
الإبداع المعاصر
ولن تقف الأكاديمية عند حدود التوثيق، بل ستتحول إلى مختبر للإبداع، حيث تُعاد صياغة الأغاني الشعبية بموسيقى معاصرة، وتدخل الرقصات الشعبية إلى المسرح والدراما، وتتحوّل الحكايات إلى نصوص روائية وسينمائية. وستقيم ورشًا لتطوير المنتجات التراثية، وتجعل الحرف اليدوية مهنًا حديثة لا مجرد ذكرى. وستربط الأكاديمية نفسها بقطاع السياحة، فتقيم مهرجانات سنوية للعروض الشعبية، وتؤسس مسرحًا دائمًا للفنون العُمانية في صلالة أو مسقط، وتسوّق هذه العروض إقليميًا ودوليًا لتكون جزءًا من الفعاليات الثقافية العالمية.
التحديات والرهانات
مثل أي مشروع كبير، ستواجه الأكاديمية تحديات. منها التمويل الذي يحتاج إلى ميزانيات معتبرة، لكن يمكن معالجته عبر شراكات حكومية وخاصة ودعم دولي. ومنها الإدارة التي يجب أن تكون حديثة ومتحررة من البيروقراطية. ومنها التحدي المجتمعي، حيث قد يعتقد البعض أن الفنون الشعبية لا تستحق مؤسسة كبرى، وهنا يأتي دور الوعي والإعلام لإبراز قيمتها.
المستقبل والهوية
السؤال الجوهري هو: هل نريد أن تبقى الفنون الشعبية مجرد عرض يُقدّم في مهرجان، أم أن نمنحها حياة جديدة في قلب الحاضر؟ إن الأكاديمية لن تكون مجرد مبنى أو صفوف دراسية، بل ستكون بيتًا للهوية، وفضاءً للإبداع، وجسرًا بين الماضي والمستقبل. ستكون المكان الذي تتحوّل فيه الأغاني إلى موسيقى عالمية، والرقصات إلى عروض مسرحية، والحكايات إلى روايات وأفلام، والحرف اليدوية إلى منتجات اقتصادية. الأكاديمية تعني أن نقول لأنفسنا وللعالم: هذا نحن… وهذه لغتنا الخاصة.
الخلود الثقافي
الفنون ليست زينةً للوقت الفارغ، بل هي ذاكرة الروح. وإذا كانت السياسة تُكتب بالقرارات، والاقتصاد يُقاس بالأرقام، فإن الفنون الشعبية تُكتب بالذاكرة وتُقاس بالخلود. حين نبني أكاديمية للفنون الشعبية العُمانية، فإننا لا نحفظ الماضي فقط، بل نكتب المستقبل. فالأمم التي تفقد فنونها الشعبية، تفقد القدرة على الحلم بلغتها الخاصة.
الحكاية التي لا تُروى تموت، والرقصة التي لا تُمارس تُشلّ، والأغنية التي لا تُغنّى تُصمت. الأكاديمية هي البيت الذي يحفظ للصوت لحنه، وللجسد رقصته، وللروح ذاكرتها. وإذا لم نبدأ اليوم، فقد يأتي الغد بلا ملامح، وبلا أغنية، وبلا روح.



