عُمان وأوزبكستان: جسور التاريخ العريق وآفاق الشراكة الاستراتيجية
في إطار "رؤية عُمان 2040" و"استراتيجية أوزبكستان 2030"

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي
تمتد العلاقات بين سلطنة عُمان وجمهورية أوزبكستان لقرون من التفاعل التجاري والثقافي عبر طريق الحرير القديم، حيث كانت موانئ عُمان بمثابة بوابة بحرية تربط الشرق بالغرب، فيما شكلت مدن سمرقند وبخارى وطشقند مراكز فكرية وتجارية نابضة في آسيا الوسطى. هذا الإرث المشترك المبني على قيم السلام والتبادل المتبادل شكّل أساساً متيناً للعلاقات الدبلوماسية الحديثة بين البلدين.
جذور العلاقات الدبلوماسية

اعترفت سلطنة عُمان باستقلال أوزبكستان في ديسمبر 1991، وأُقيمت العلاقات الدبلوماسية رسمياً في 22 أبريل 1992. شهدت هذه العلاقات تطوراً ملحوظاً في عهد السلطان قابوس بن سعيد – رحمه الله – حيث زار الرئيس الأوزبكي الراحل إسلام كريموف السلطنة في زيارة دولة تاريخية يومي 4 و5 أكتوبر 2009، واستقبله السلطان قابوس في قصر العلم، ما أدى إلى توقيع اتفاقيات تعاون في مجالات الاقتصاد والثقافة والنقل.
الدعم الثقافي والعلمي
جاءت زيارة صاحب السمو السلطان هيثم بن طارق إلى طشقند في مارس 2018 تتويجاً لهذا الإرث الحضاري، حيث ترأس سموه وفد السلطنة في افتتاح المبنى الجديد لمكتبة “أبي الريحان البيروني”، وهو المشروع الذي شُيّد بأوامر سامية لحفظ التراث الإسلامي وتعزيز العلوم. رافق سموه وفد رفيع يضم وزراء ومسؤولين ثقافيين ودينيين، مؤكداً عمق الروابط الحضارية بين البلدين.
التطورات السياسية والدبلوماسية
شهدت الفترة 2024-2026 دفعة قوية للعلاقات الثنائية، بدعم من السلطان هيثم بن طارق المعظم وفخامة الرئيس شوكت ميرضيائيف. أبرز هذه التطورات:
عقد الجولة الثامنة من المشاورات السياسية في 5 سبتمبر 2025 بطشقند، والتي أسفرت عن توقيع خطة عمل مشتركة.
زيارة وزير الخارجية العُماني إلى طشقند (أبريل 2024) وزيارة نظيره الأوزبكي إلى مسقط (يونيو 2024).
زيارة وزير الاستثمار الأوزبكي إلى مسقط (أغسطس 2025) وزيارة وزير التجارة والصناعة العُماني إلى طشقند (يونيو 2025).
كما أعلنت أوزبكستان إعفاء مواطني السلطنة من التأشيرة لمدة 30 يوماً منذ 1 يونيو 2025، مع تهيئة الأرضية لتسيير رحلات مباشرة للطيران العُماني إلى طشقند.
التعاون الاقتصادي والاستثماري
تعد “شركة عُمان وأوزبكستان للاستثمار” (UzOman) منذ تأسيسها عام 2009 رافداً محورياً للعلاقات الاقتصادية، برأس مال 500 مليون دولار، لدعم مشاريع في مجالات اللوجستيات والعقارات. كما يعزز منتدى الأعمال العُماني الأوزبكي هذه الروابط من خلال نسخ المنتدى في 2024 و2025، وتوقيع مذكرة تفاهم بين الغرفتين التجاريتين، مع العمل على تفعيل مجلس أعمال دائم.
التكامل التنموي والمستقبل المستدام
تتداخل “رؤية عُمان 2040” التي تركز على اللوجستيات العالمية عبر موانئ الدقم وصلالة وصحار، مع “استراتيجية أوزبكستان 2030” لتصبح مركزاً إقليمياً، مما يفتح فرص ربط الموانئ العُمانية بشبكات آسيا الوسطى. كما تمتد الشراكة إلى الثقافة والعلم من خلال مشاريع مكتبة ابن سينا ومكتبة البيروني، بالإضافة إلى “اتفاقية عشق آباد” التي توفر ممرًا نقلياً متعدد الوسائط.
شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد
تمثل سلطنة عُمان وأوزبكستان اليوم نموذجاً للتعاون الإقليمي بين الخليج وآسيا الوسطى، بفضل القيادة الحكيمة للسلطان هيثم بن طارق والرؤية الإصلاحية لفخامة الرئيس ميرضيائيف. هذا التوافق القيادي حوّل العلاقات من صداقة تقليدية إلى شراكة استراتيجية في مجالات الاقتصاد، الثقافة، الأمن، والاستقرار الإقليمي.
ختام
لا يقتصر التعاون على تبادل تجاري أو اتفاقيات سياسية، بل يشمل إعادة صياغة خريطة التواصل الحضاري بين منطقتين تاريخياً مرتبطتين. إذا نجحت السلطنة وأوزبكستان في تحويل “طريق الحرير القديم” إلى “ممر الازدهار المستدام” في القرن الحادي والعشرين، فسيكون ذلك إنجازاً يُحسب للقيادتين وللشعبين، ونموذجاً يُحتذى به في التنمية والسلام، مع آفاق أعمق للتعاون المستدام بين البلدين والمنطقة بأسرها.




